مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين، والذي جاء بوساطة عمانية، تتجه الأنظار نحو قناة السويس، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، التي تكبدت خسائر ضخمة جراء اضطرابات البحر الأحمر. إذ أقدم الحوثيون خلال الأشهر الماضية على استهداف السفن التجارية المتجهة إلى القناة، معلنين أن تلك العمليات جاءت تضامنًا مع غزة، مما أدى إلى إرباك حركة الملاحة وتراجع الإيرادات.
خسائر القناة والاقتصاد المصري وفقًا لتقارير رسمية، تجاوزت خسائر قناة السويس 7 مليارات دولار خلال عام 2024، وهو رقم يسلط الضوء على حجم الأزمة التي عاشتها مصر. وتأثرت القناة بشكل مباشر بعد تحويل العديد من شركات الشحن مسارات سفنها إلى طرق بديلة، أبرزها رأس الرجاء الصالح، تجنبًا لمخاطر الهجمات الحوثية.
تأتي هذه الخسائر في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من تحديات مركبة، منها تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار الذي وصل إلى 50.6 جنيه، وارتفاع معدلات التضخم.
قناة السويس، التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة في مصر، واجهت ضغوطًا إضافية مع انخفاض عائداتها، وهو ما انعكس سلبًا على ميزان المدفوعات.
هل تعود السفن المفقودة؟ رغم الترحيب المصري باتفاق وقف إطلاق النار، فإن خبراء الملاحة يستبعدون عودة حركة السفن إلى طبيعتها سريعًا. فشركات الشحن التي اختارت طرقًا بديلة قد لا تعود بسهولة إلى القناة، خصوصًا مع استمرار المخاوف الأمنية في البحر الأحمر، حيث أشار خبراء إلى أن الحوثيين لم يلتزموا صراحة بعدم استهداف السفن الإسرائيلية، ما يعني استمرار حالة التوتر.
ويؤكد محللون أن عودة السفن لقناة السويس تعتمد على عدة عوامل، منها استقرار الأوضاع الأمنية، وضمان حرية الملاحة دون تهديد، فضلاً عن وجود تطمينات دولية بأن المنطقة أصبحت آمنة.
التداعيات الاقتصادية لم تتوقف عند قناة السويس فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد المصري ككل. فمع تراجع الإيرادات، اضطرت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات تقشفية لتعويض الخسائر، مما زاد من معاناة المواطنين في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
اتفاق سياسي أم تكتيكي؟ يطرح الاتفاق بين الولايات المتحدة والحوثيين تساؤلات عديدة حول مدى استمراره، خاصة أن الولايات المتحدة سبق أن اتخذت مواقف متشددة تجاه الحوثيين، وفرضت عليهم عقوبات. لكن دخول عمان على خط الوساطة يشير إلى رغبة إقليمية في احتواء الأزمة، وضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر.
ومع أن الاتفاق جاء بالتزامن مع جولة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة، تشمل السعودية والإمارات وقطر، فإن البعض يرى أن الاتفاق قد يكون مؤقتًا، مرتبطًا بترتيبات سياسية أكبر، لا سيما في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي في غزة.
ماذا بعد؟
إن استعادة قناة السويس لعافيتها مرهون بمدى استقرار الأوضاع في المنطقة، وقدرة مصر على تقديم ضمانات أمنية لشركات الشحن. كما يتطلب الأمر جهودًا دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، بما يضمن عدم العودة إلى التصعيد.
وبينما يبقى مصير الاتفاق معلقًا بمدى التزام الحوثيين والولايات المتحدة ببنوده، ستظل قناة السويس على المحك، بانتظار ما ستكشف عنه الشهور المقبلة.