أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون إقرار الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، المعروف باسم «NDAA»، في خطوة جاءت وسط أجواء سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع فرص التوصل إلى اتفاق سلام بين واشنطن وطهران.
وحظي مشروع القانون بموافقة 216 عضوًا مقابل رفض 212، في تصويت عكس حجم الانقسام الحزبي داخل المجلس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، قبل أن ينتقل المشروع إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مساره التشريعي.
ويعد قانون الدفاع الوطني من أهم التشريعات السنوية في الولايات المتحدة، نظرًا لأنه يحدد الإطار العام للسياسة الدفاعية والإنفاق العسكري ويؤثر في مختلف أفرع القوات المسلحة والبرامج المرتبطة بالأمن القومي.
1.15 تريليون دولار للإنفاق العسكري
ويتضمن مشروع القانون إنفاقًا عسكريًا قياسيًا تصل قيمته إلى نحو 1.15 تريليون دولار، في إطار خطة أوسع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تستهدف رفع إجمالي الإنفاق على الجيش إلى نحو 1.5 تريليون دولار خلال السنة المالية 2027.
ويهدف الجزء الأكبر من هذه المخصصات إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة الأمريكية، وتمويل عمليات شراء المعدات والأسلحة، وتطوير أنظمة الدفاع، إلى جانب دعم العمليات المرتبطة بالمواجهة العسكرية مع إيران.
كما يتضمن المشروع زيادات في أجور أفراد القوات المسلحة تتراوح بين 5% و7%، فضلًا عن مخصصات لتطوير الثكنات وتحسين مساكن عائلات العسكريين وتوفير مزايا إضافية للقوات.
تغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب»
ومن بين البنود اللافتة التي يتضمنها مشروع القانون، التدوين القانوني للتغيير المقترح في اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى «وزارة الحرب».
ويأتي ذلك في إطار توجه سياسي تبناه الرئيس ترامب، ويعكس رغبة الإدارة الحالية في إعادة صياغة بعض المفاهيم المرتبطة بالسياسة العسكرية الأمريكية، وسط نقاشات واسعة داخل الأوساط السياسية حول طبيعة الدور العسكري للولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.
انقسام حزبي حاد داخل مجلس النواب
كشف التصويت عن انقسام واضح بين الجمهوريين والديمقراطيين، إذ دعم مشروع القانون معظم أعضاء الحزب الجمهوري، باستثناء 7 أعضاء صوتوا ضده، بينما رفضه معظم الديمقراطيين، باستثناء 6 أعضاء أيدوا تمريره.
ويعكس هذا الانقسام الخلافات العميقة حول حجم الإنفاق العسكري، والحرب على إيران، والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وأوكرانيا، بالإضافة إلى قضايا اجتماعية وثقافية أُدرجت ضمن التعديلات المرتبطة بالمشروع.
حزمة طارئة بقيمة 95 مليار دولار
وبالتوازي مع مشروع قانون الدفاع، أقر مجلس النواب إطارًا لميزانية طارئة ومستقلة تبلغ قيمتها 95 مليار دولار، قبل إحالتها إلى مجلس الشيوخ.
وتتضمن الحزمة تخصيص 73 مليار دولار للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات، خصوصًا لتمويل العمليات المرتبطة بالحرب ضد إيران.
كما تتضمن 12 مليار دولار لمساعدة المزارعين المتضررين من تداعيات الحرب التجارية التي تخوضها إدارة ترامب، إلى جانب 10 مليارات دولار لبرامج مرتبطة بالانتخابات.
الديمقراطيون يعترضون على تكلفة الحرب
واجه مشروع القانون معارضة قوية من الديمقراطيين، الذين انتقدوا تخصيص أكثر من تريليون دولار للإنفاق العسكري في وقت تعمل فيه الإدارة الجمهورية على خفض الإنفاق على عدد من البرامج الاجتماعية الفيدرالية.
ويرى الديمقراطيون أن حجم الميزانية العسكرية المقترحة لا يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والسياسات الداخلية الحالية، خاصة مع استمرار تخصيص موارد ضخمة للعمليات العسكرية الخارجية.
كما يعارض الديمقراطيون الحرب المستمرة على إيران، التي يقولون إنها لا تحظى بتأييد شعبي واسع داخل الولايات المتحدة، فضلًا عن تكلفتها المالية التي بلغت، وفق المعطيات الواردة، نحو 37.5 مليار دولار حتى الآن.
خلافات حول الحرب على إيران ودعم إسرائيل
ويتمسك الديمقراطيون بموقفهم الرافض لانخراط الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران دون تفويض واضح من الكونغرس، كما ينتقدون قرار إدارة ترامب الانضمام إلى إسرائيل في شن هجمات على إيران.
وتزايدت الخلافات داخل الكونغرس بشأن التعاون العسكري مع إسرائيل، خاصة مع استمرار الانتقادات الدولية للخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأثار بند في مشروع القانون يوسع التعاون التكنولوجي والدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل اعتراضات شديدة من عدد من الديمقراطيين، الذين يرون أن هذا التوسع لا يتماشى مع الدعوات إلى إعادة النظر في طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل.
ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز تنتقد التعاون مع إسرائيل
وصفت عضوة الكونغرس ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز التعديل الخاص بتوسيع التعاون الدفاعي والتكنولوجي مع إسرائيل بأنه يمثل، بحسب وصفها، تهديدًا للسيادة والديمقراطية الأمريكية.
ويشير هذا الموقف إلى أن ملف التعاون العسكري مع إسرائيل بات أحد أبرز نقاط الخلاف داخل الكونغرس، في ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد الضغوط السياسية على الإدارة الأمريكية بشأن طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل.
خلافات حول قضايا المتحولين جنسيًا
كما شهد مشروع القانون جدلًا واسعًا بشأن عدد من القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها وضع أفراد الجيش المتحولين جنسيًا.
وقال العضو الديمقراطي آدم سميث إن مشروع القانون تضمن تعديلات حزبية وصفها بأنها «سامة»، معتبرًا أنها تواصل ما وصفه بالحرب الثقافية اليمينية على مجتمع المثليين، وتتجاوز القوانين المحلية تحت غطاء الاستعداد العسكري.
في المقابل، وافق مجلس النواب على تعديلات تمنع التأمين الصحي العسكري من تغطية بعض أشكال الرعاية الصحية المرتبطة بالمتحولين جنسيًا، كما تحظر مشاركة الرياضيات المتحولات جنسيًا في الرياضات النسائية بالمدارس التي تديرها وزارة الدفاع.
الجمهوريون يدافعون عن الميزانية الضخمة
ويرى الجمهوريون أن الإنفاق العسكري الذي يتجاوز حاجز التريليون دولار يمثل ضرورة استراتيجية، خاصة في ظل الحرب مع إيران والتحديات الأمنية المتزايدة.
ويؤكد أنصار المشروع أن الجيش الأمريكي يحتاج إلى استثمارات ضخمة لتطوير أنظمة الدفاع، وشراء المعدات، وتعزيز جاهزية القوات، فضلًا عن تحسين أوضاع أفراد الجيش من خلال زيادة الأجور وتطوير البنية الأساسية والمساكن العسكرية.
وقال رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب مايك روجرز إن الولايات المتحدة تتقدم، للمرة الأولى منذ عقود، بميزانية تعكس التكلفة الحقيقية للردع الأمريكي، معتبرًا أن الإنفاق المقترح يمثل محاولة لتعويض سنوات من نقص الاستثمار في القوات المسلحة.
رفض وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا
وخلال مناقشة المشروع، رفض مجلس النواب مقترحًا قدمه النائب الجمهوري إيلي كرين لوقف جميع المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا.
وحصل المقترح على تأييد 76 عضوًا فقط، مقابل رفض 350 عضوًا، ما أدى إلى إسقاطه بأغلبية كبيرة.
ويكشف التصويت استمرار الانقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن مستوى الدعم الأمريكي لأوكرانيا، رغم وجود تيار سياسي قوي يطالب بتقليص المساعدات الخارجية والتركيز على القضايا الداخلية.
مقترحات بشأن الخدمة العسكرية للمتحولين جنسيًا
كما فشل مقترح قدمته النائبة الجمهورية لورين بوبيرت لتدوين الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بشأن حظر انضمام المتحولين جنسيًا إلى الخدمة العسكرية.
وصوت 212 عضوًا لصالح المقترح مقابل 217 عضوًا رفضوه، ليتم إسقاطه بفارق ضئيل.
وفي المقابل، نجحت تعديلات أخرى تتعلق بالرعاية الصحية العسكرية والمشاركة الرياضية، ما يعكس استمرار الخلافات الحادة حول هذه الملفات داخل الكونغرس.
73 مليار دولار للحرب مع إيران
وفي إطار منفصل، وافق مجلس النواب على ميزانية تتيح تخصيص 73 مليار دولار للقوات المسلحة ووكالات الاستخبارات لتمويل العمليات المرتبطة بالحرب مع إيران.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يسعى فيه الجمهوريون إلى تجاوز التعطيل الإجرائي المتوقع من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، غير أن المبلغ يظل أقل بكثير من 350 مليار دولار كان البنتاغون قد اقترحها في وقت سابق لرفع إجمالي الإنفاق الدفاعي إلى 1.5 تريليون دولار.
القانون يواجه مرحلة جديدة في مجلس الشيوخ
ومن المقرر أن ينتقل مشروع قانون الدفاع الوطني إلى مجلس الشيوخ، حيث لا يزال مصيره النهائي غير محسوم في ظل استمرار الخلافات بين الحزبين حول حجم الإنفاق وبنود الحرب والتعاون مع إسرائيل والسياسات الاجتماعية.
وعادة ما يقر مجلسا النواب والشيوخ نسختين منفصلتين من قانون الدفاع الوطني، قبل أن يجتمع مفاوضون من لجنة الخدمات المسلحة للتوصل إلى نسخة تسوية مشتركة.
وبعد اعتماد النسخة النهائية من جانب المجلسين، تُحال إلى البيت الأبيض، حيث يملك الرئيس الأمريكي حق التوقيع عليها لتصبح قانونًا نافذًا أو استخدام حق النقض ضدها.
قانون دفاعي في قلب صراعات سياسية وعسكرية
ويأتي مشروع قانون الدفاع الأمريكي لعام 2027 في مرحلة استثنائية، إذ يجمع بين الإنفاق العسكري الأكبر في تاريخ البلاد، والحرب مع إيران، والخلافات حول الدعم العسكري لإسرائيل وأوكرانيا، إلى جانب قضايا اجتماعية شديدة الحساسية.
وبينما يرى الجمهوريون أن الميزانية الضخمة ضرورية لإعادة بناء القوة العسكرية الأمريكية وتعزيز الردع، يحذر الديمقراطيون من أن المشروع يحمل تكلفة مالية وسياسية ضخمة، ويعكس توجهًا نحو توسيع العمليات العسكرية الخارجية على حساب الأولويات الداخلية.
موضوعات متعلقة
رويترز: ترامب يجري اتصالات حاسمة الليلة مع قادة مصر والسعودية والإمارات
ترامب: دمرنا إيران والجزء الأصعب انتهى
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. تصعيد تشريعي من 5 بنود مثيرة
وزير الحرب الأمريكي: الحفاظ على عنصر المفاجأة أولوية وواشنطن تسعى لاتفاق مع إيران