advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

نجلاء كمال تكتب: طوابير الكاش.. حين يصبح “الشمول المالي” اختبارًا للصبر

المصير

الثلاثاء, 26 مايو, 2026

08:30 م

قبل سنوات ليست بالبعيدة، كان المصريون يعرفون جيدًا معنى “طوابير العيش”. مشهد يومي يتكرر عند الفجر، وجوه مرهقة تصطف أمام المخابز، ساعات من الانتظار، ومشادات أحيانًا، وصبر يشبه الواجب الإجباري. 

كانت أزمة واضحة المعالم: رغيف الخبز هو الهدف، والطابور هو الطريق.

اليوم تغيّر المشهد، لكن الفكرة لم تختفِ. انتقلنا من طوابير الخبز إلى طوابير الكاش، وكأن الطابور أصبح جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية، مهما اختلفت الوسيلة.

في نهاية كل شهر، تتكرر نفس الصورة أمام ماكينات الصراف الآلي: طوابير تمتد في الشوارع، موظفون ينتظرون صرف رواتبهم، وأصحاب معاشات يواجهون نفس المصير. لا فرق كبير بين مدينة كبرى وقرية صغيرة، سوى في عدد الماكينات، لا في حجم الحاجة.

المفارقة أن المشكلة لا تنتهي عند طول الانتظار. أحيانًا يأتي الدور بعد ساعات طويلة، ثم تفاجأ بأن الماكينة “خارج الخدمة”، أو بلا سيولة، أو متوقفة دون إنذار.

 لحظة واحدة كفيلة بتحويل الصبر إلى غضب صامت، وكأن كل ما سبق من وقت كان مجرد انتظار بلا نتيجة، والأمر لا يتوقف هنا. 

فقد تبدأ عملية السحب بنجاح، ثم تفشل فجأة، بينما يُخصم المبلغ من الحساب دون أن تخرج الأموال. هنا تبدأ رحلة أخرى من المعاناة: أيام من الانتظار، واتصالات، وشكاوى، وإجراءات استرداد قد تمتد لأيام عمل طويلة، لا تعترف بارتباطات الناس ولا التزاماتهم اليومية.

في المقابل، ترفع الدولة منذ سنوات شعار “الشمول المالي”، وتسعى لتقليل التعامل بالكاش، وتوسيع قاعدة الحسابات البنكية، وإدخال المواطنين في منظومة الدفع الإلكتروني. وبالفعل، توسعت الحسابات بشكل ملحوظ، وارتفعت أعداد البطاقات، وأصبح جزء كبير من المعاملات يمر عبر البنوك.

لكن التحدي الحقيقي لم يكن في فتح الحسابات، بل في البنية التي تخدمها. فزيادة الاعتماد على البطاقات لم يواكبها توزيع عادل أو كافٍ لماكينات الصراف الآلي، ولا قدرة تشغيلية تستوعب الضغط المتكرر في نهاية كل شهر.

في بعض المناطق، خاصة خارج المدن الكبرى، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. مراكز كاملة تخدم مئات الآلاف من المواطنين، بينما لا تضم سوى عدد محدود جدًا من الماكينات، لا يكفي لتغطية الاحتياج اليومي، فكيف بذروة الصرف الشهري؟.

وهكذا تتكرر الحلقة نفسها: زحام، أعطال، نفاد سيولة، ثم انتظار جديد. وكأن الخدمة مصممة لتواكب التحول الرقمي نظريًا، لكنها على الأرض ما زالت تتحرك بإيقاع مختلف تمامًا عن احتياجات الناس.

المشكلة هنا ليست في الفكرة نفسها، فالتوجه نحو تقليل الكاش خطوة عالمية واضحة، لكن الإشكال في الفجوة بين التحول السريع في السياسات، والبطيء في البنية التنفيذية. فالمواطن الذي طُلب منه أن يعتمد على البطاقة بدل النقد، ما زال يقف في طابور أطول من أي وقت مضى ليستخدم هذه البطاقة أصلًا.

وفي النهاية، لا يختفي الطابور… بل يغيّر شكله فقط. مرة عند الفرن، ومرة أمام ماكينة، لكن السؤال يبقى نفسه: هل يحصل المواطن على حقه بسهولة، أم أنه مطالب دائمًا بأن يدفع ثمن الوقت قبل أن يحصل على المال؟

موضوعات متعلقة

ـ نجلاء كمال تكتب:  سيدة الاسكندرية : لا تسألوا ماذا حدث لها؟ بل اسألوا ماذا حدث لنا؟

ـ نجلاء كمال تكتب: بين قضية السباح يوسف ومدرسة «سيدز»… هل ما زال أطفالنا في مأمن؟

ـ نجلاء كمال تكتب: رجال المباحث.. أصحاب المهام المستحيلة يحلون لغز جريمة فيصل التي هزت الرأي العام