advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

نجلاء كمال تكتب :  سيدة الاسكندرية : لا تسألوا ماذا حدث لها؟ بل اسألوا ماذا حدث لنا؟

محمد يوسف

الإثنين, 13 إبريل, 2026

09:27 م

في زحام الحياة اليومية، نمرّ على وجوهٍ كثيرة تبدو عادية، بل ومطمئنة أحيانًا. نرى ابتسامات، نسمع ضحكات، ونظن أن كل شيء على ما يرام. لكن، كم مرة كان هذا مجرد قناع هشّ يخفي وراءه ألمًا عميقًا وانهيارًا صامتًا؟

كم مرة صادفنا إنسانًا كان في أمسّ الحاجة إلى كلمة صادقة، أو لحظة إنصات حقيقية، لكننا مررنا دون أن ننتبه؟..

 وكم مرة اختزلنا معاناة الآخرين في عبارات سريعة مثل: “أنت تبالغ”، أو “كن قويًا”، أو حتى “اقترب من الله”، دون أن ندرك أن ما يحتاجه هذا الإنسان أولًا هو الاحتواء، لا الوعظ، والتفهّم لا الأحكام؟

المأساة لا تكمن فقط في وجود أشخاص يصلون إلى حافة الانهيار النفسي، بل في أن المجتمع لا يراهم إلا بعد فوات الأوان. لا يزال المرض النفسي، في كثير من مجتمعاتنا، يُعامل باعتباره ضعفًا في الإيمان أو خللًا في الشخصية، أو سرًا يجب إخفاؤه. في حين أن الاكتئاب والانهيار النفسي لا يفرّقان بين قوي وضعيف، ولا بين ناجح ومتعثر.

الحقيقة البسيطة التي نتجاهلها كثيرًا هي أن الإنسان، في لحظات ضعفه، لا يحتاج إلى حلول معقدة أو نصائح عظيمة، بل يحتاج إلى أمور إنسانية بديهية: أن يجد من يصدّق ألمه،
ومن يسأله بصدق: “هل أنت بخير؟”،...

ومن يلاحظ صمته وتغيّره،
ومن يشجعه على طلب المساعدة دون خوف أو خجل.

ورغم أهمية الصحة النفسية، لا يزال الطب النفسي في مصر وكثير من بلداننا العربية يعاني من تحديات كبيرة، من بينها ضعف الوعي المجتمعي، وارتفاع تكاليف العلاج، والخوف من وصمة “كلام الناس”، إلى جانب نقص مراكز الدعم المتخصصة. هذه العوائق تجعل كثيرين يختارون الصمت، لا لأنهم بخير، بل لأنهم لا يجدون من يفهمهم.

الدين في جوهره لا يدعو إلى كبت الألم أو إنكاره، بل إلى الرحمة—رحمة الإنسان بنفسه وبالآخرين. والضمير الحقيقي لا يظهر بعد السقوط، حين يصبح الحكم سهلًا، بل قبل ذلك، حين يكون التدخل ممكنًا، والإنقاذ لا يزال خيارًا.

ربما السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: “ماذا حدث لها؟” بل: ماذا حدث لنا نحن؟ كيف أصبحنا أقل انتباهًا، وأقل تعاطفًا، وأسرع حكمًا؟

وكم شخصًا قريبًا منا الآن—صديق، أو أخ، أو زميل—يمرّ بصمتٍ بما لا يقدر على قوله، وينتظر فقط من يمدّ له يدًا، أو يمنحه لحظة صدق، أو يرشده إلى طريق علاج؟

لو استطعنا أن نجعل الحديث عن الصحة النفسية أمرًا طبيعيًا لا يثير الخجل، ولو توفرت مراكز دعم يسهل الوصول إليها، ولو تعلمنا أن نرى ضعف بعضنا البعض بدل أن نخفيه أو نحاكمه… ربما عندها فقط، نستطيع أن ننقذ أرواحًا كثيرة قبل أن تختفي في صمت.