نجيب الريحاني
التي تنبع من أعماق الواقع المصري، فهو لم يكن يخترع النكات بل يستخرج الضحك من التناقضات الاجتماعية والسياسية التي عاشها وعاينها عن قرب.
وُلد نجيب إلياس ريحانة في 21 يناير 1889 بحي باب الشعرية بالقاهرة، لأب عراقي مسيحي يعمل في تجارة الخيول وأم مصرية قبطية، ونشأ في بيئة شعبية بسيطة شكلت وعيه الإنساني العميق.
تعلم في مدرسة الفرير الفرنسية حيث أحب التمثيل والأدب الفرنسي، ثم عمل في وظائف بعيدة عن الفن مثل البنك الزراعي وشركات السكر في الصعيد، فرأى عن كثب استغلال الطبقات العليا للبسطاء، والفساد الإداري، والفجوة بين الثراء والفقر.ترك كل ذلك ليغوص في المسرح، وكانت انطلاقته الحقيقية مع الكاتب بديع خيري، حيث أسسا فرقة قدمت كوميديا جديدة تعتمد على النقد الاجتماعي الحاد والسخرية من الأوضاع السياسية والطبقية، بأسلوب بسيط وعامية مصرية تصل مباشرة إلى قلب الجمهور.
ابتكر شخصية كشكش بيه عام 1916، العمدة الريفي الساذج الثري، مستوحى من عمد الريف الحقيقيين، فجسد من خلالها الإقطاعي الذي يُستغل ويُستغفل، مما جعل الجمهور يرى مشكلاته وتناقضات مجتمعه على المسرح.قدم أكثر من 80 مسرحية ناجحة مثل "30 يوم في السجن" و"الدلوعة"، وانتقل إلى السينما ليحقق نجاحًا أسطوريًا في أفلام كلاسيكية مثل "سلامة في خير"، "لعبة الست"، و"غزل البنات" – آخر أفلامه الذي توفي أثناء تصويره – حيث شاركه البطولة نجوم كبار مثل ليلى مراد وأنور وجدي.
تميز أسلوبه بالكوميديا الإنسانية التي تمزج الضحك بالحزن، فلم يكن يهدف للإضحاك فقط بل لكشف الزيف والفساد والدفاع عن المهمشين، مما جعله يُلقب بـ"الضاحك الباكي"، وشُبه بنظيره العالمي تشارلي شابلن في العمق الإنساني والتأثير الاجتماعي.
موضوعات متعلقة
ذكرى وفاة سعاد مكاوي.. أيقونة المونولوج والغناء الشعبي
على المستوى الشخصي، تزوج عدة مرات، أبرزها من الراقصة بديعة مصابني (زواج قصير مليء بالخلافات)، ثم من الفرنسية لوسي دي فيرناي التي أنجب منها ابنته الوحيدة جينا التي حافظت لاحقًا على تراثه.رحل في 8 يونيو 1949 عن 60 عامًا متأثرًا بمضاعفات التيفوئيد، لكنه ترك إرثًا يتجاوز الزمن: كوميديا تولد من الواقع، تعالجه بالسخرية الذكية، وتبقي الأمل في تغييره. اليوم، نضحك معه ونتأمل معه... لأن مصر ما زالت تحتاج "كشكش بيه" يفضح تناقضاتها بحنان وجرأة.