advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

عدساتهم انطفأت على الهواء مباشرة.. اللحظات الأخيرة لصحفيي غزة قبل أن تخطفهم الغارات

شرين احمد

الأربعاء, 27 أغسطس, 2025

08:42 ص

تحول مجمع ناصر الطبي بخان يونس من ملجأ يضمد جراح الفلسطينيين إلى مسرح لفاجعة جديدة، بعدما طالته غارة إسرائيلية أودت بحياة خمسة صحفيين وعشرات المدنيين والأطقم الطبية.

لم تكن هذه الغارة مجرد رقم جديد في حصيلة الحرب، بل محطة دامية تسلط الضوء على ثمن الحقيقة في غزة.

أسماء لمعت في سماء الإعلام المقاوم

ونشرت "بي بي سي" تقرير تحت عنوان "غزة تودع صحفيها"، مشيرة إلى تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة كل منهم.

ويقول التقرير: بين الضحايا، برزت أسماء لمعت في سماء الإعلام المقاوم: مريم أبو دقة، حسام المصري، ومحمد سلامة، الذين تركوا وراءهم كاميراتٍ صامتة ووصايا تقطر وجعًا.

مريم أبو دقة.. "رمز لكل فلسطين"

كانت مريم، في أوائل الثلاثينيات من عمرها، تعرف جيدًا أن الصحافة في غزة طريق محفوف بالموت. لكنها أصرت على البقاء في الميدان حتى اللحظة الأخيرة.

يروي والدها رياض أبو دقة تفاصيل ساعات سبقت رحيلها: "زارَتني قبل يوم من استشهادها وأطالت الجلوس بشكل غير مألوف.. في تلك الليلة ظللت أدعو: يا رب استر.

في الصباح علمت أنها هرعت بكاميرتها إلى موقع الضربة الأولى للمستشفى.. وبعد دقائق جاءت الضربة الثانية.. عندها سمعت الجملة التي لن أنساها: يا با.. مريم استشهدت".

لم تكن مريم مجرد صحفية، بل ابنة حاولت أن تهب والدها كليتها عندما اشتد عليه المرض، وأما تركت لطفلها وصية أصبحت حديث الفلسطينيين والعالم. "ابني لم يفقد أمه فقط، بل فقد حضنًا لن يُعوَّض"، يقول الوالد، قبل أن يضيف: "لكن مريم لم تتركنا.. هي رمز لكل فلسطين".

حسام المصري.. عدسة قُطعت أنفاسها على الهواء

قُتل المصور حسام المصري أثناء عمله مع وكالة رويترز، بينما كان يبث مباشرة من مجمع ناصر. استهدفته الغارة مع كاميرته وأجهزة البث، في مشهد وثّق موته للعالم أجمع.

شقيقه عز الدين، الذي شاركه التغطيات منذ اندلاع الحرب، يروي: "ركضت بين أروقة المستشفى أبحث عنه.. لم أجده إلا جثة محمولة على الأكتاف".

حسام لم يكن مجرد صحفي، بل معيلًا لأسرة تعيش أوضاعًا صعبة. زوجته المريضة بالسرطان كانت آخر وصاياه: "إذا مت، لا تتركوها.. ساعدوها لتُعالج في الخارج".

محمد سلامة وهلا عصفور.. زفاف مؤجل خطفه الموت

أما قصة محمد سلامة وخطيبته هلا عصفور، فتحمل ألمًا مضاعفًا. فقد كانا زميلين في المهنة، يجمعهما الشغف ذاته، وينتظران بفارغ الصبر يوم زفافهما الذي تأجل أكثر من مرة على أمل هدنة. لكن الحرب باغتتهما، فرحلت الكاميرا، ورحل معها محمد.

صديقتهما ظريفة أبو قورة تصف اللحظة: "رأيت هلا تحتضن رأس محمد وتهمس له بكل أحلامهما المؤجلة.. كانت تتحدث إليه كأنه لا يزال حيًا، حتى فقدت وعيها". ومنذ ذلك اليوم لم تعد هلا كما كانت، "فمحمد لم يكن مجرد خطيب، بل نصفها الآخر، توأمها الإعلامي".

وبينما يودع الفلسطينيون صحفييهم الواحد تلو الآخر، تبقى الأسئلة معلقة: من يوثق الحقيقة إذا أُسكت صوتها؟ وهل يمكن أن تُدفن الرواية مع أصحابها، أم أنها تظل حية ما دامت دماؤهم سالت على عدسات الكاميرات؟.