advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

د. سحر الحسيني تكتب :سقطت النقطة عن السطر.. رؤية فنية

المصير

الأحد, 4 مايو, 2025

07:55 م

أحمد عبد الرحمن جنيدو شاعر سوري، ينتمي إلى بلدة "عقرب" في محافظة حماة، ويبدو أن ديوانه "سقطت النقطة عن السطر" 
هو عمل يتكئ على تجربة شعورية وفكرية متجذرة في الألم والتمرد، ويجمع بين البوح الشخصي والتورط الجمعي في أسئلة الوطن والهوية والانكسار.

منذ العنوان، نحن بصدد انزياحٍ مقصود عن اللغة المعتادة، وتمرّد على قواعد الإملاء والنحو، كأن الشاعر يقلب المعادلة: "النقطة" التي تنهي الجملة وتسدل الستار، تسقط خارج السطر، خارج النسق، لتفتح معنى غير مكتمل، أو لتعلن فوضى البدء لا ختامه.

  العنوان نفسه يتورط في المجاز: "السقطة" ليست مجرد عثرة، بل انقلاب على النظام (النقطة = نهاية، السطر = مسار)، فيصبح الديوان محاولة لقول ما لا يُقال، وما لا تستوعبه علامات الترقيم.


جنيدو لا يكتب بلغةٍ تقريرية، بل يمارس انزياحات لغوية دائمة، متأثرًا في نبرة ما بالحداثة الشعرية السورية، وخصوصًا تجارب الشعراء الكبار ، لكن بصوته هو، بمفرداته المحروقة بملح الداخل.


"سقطت النقطة عن السطر"... عنوان لا يكتفي بالدهشة، بل يتجاوزها ليعلن انقلابًا ناعمًا، تمردًا شعريًّا على النمط، على الاكتمال، على الإجابات الساذجة. الشاعر لا يبدأ من السطر الأول، بل من نهايات محتملة، من الفراغات التي تتركها القصائد عندما تنتهي قبل أن تبدأ.


الوطن في الديوان ليس مكانًا جغرافيًا بقدر ما هو ألم دائم، وندبة مفتوحة. المنفى أيضًا ليس فقط جغرافيًا، بل شعوري، لغوي، زمني. الشاعر يبدو منفصلًا عن يقين أي شيء، حتى اللغة ذاتها، ولعل "سقطت النقطة" إحدى رموز هذا الانفصال.
الأنثى في النصوص قد تظهر رمزية – بوصفها وجهًا آخر للوطن، أو الخلاص، أو حتى الخذلان. وقد تظهر عارية من المجاز، ككائن محبّ ومنكسر. لكن دائمًا هناك مساحة من العتاب، أو توقٍ عميق إلى الاندماج، وكأنها قادرة على إعادة ترتيب الحروف في دواخله.
فى قصائد مثل. جهشت. والمشتاق  وانت والليل وغيرها 


في الديوان، لا تظهر المرأة كجسد، بل كطيف، كغيمة، كظل خلف القصيدة. هي التي "لا تأتي"، أو "تجيء ولا تكتمل"، كأن الشاعر يطارد وهمًا جميلًا يعلم أنه لن يُمسك، لكنه لا يكف عن الجري نحوه. ليست الحبيبة هنا إلا استعارة للحلم، للوطن، للسلام الداخلي، لكل ما يُفتقد ولا يُنسى.


منذ العتبة الأولى، يخبرنا العنوان بأن "السقوط" ليس فعلًا عرضيًا، بل اختيار جمالي ورؤيوي: سقطت النقطة، لا من يدٍ مرتعشة، بل من شاعر يعي أن النظام اللغوي قد خان المعنى، وأن عليه تفجير اللغة من داخلها.

في قصيدة "الغرفة الصمّاء"، يضعنا أحمد عبد الرحمن جنيدو أمام مشهد داخلي خالص، لا يُروى، بل يُحسّ كما تُحسّ الحمى في عظم الجسد. 
العنوان وحده يكفي: الصمت ليس مجرد غياب للصوت، بل غرفة تحبس المعنى، وتختنق فيها الكلمات قبل أن تولد. نشهد تشظّي الحواس وتحوّل اللغة إلى مرآة مشققة الحب هنا ليس عاطفة، بل حالة قاسية تُغتال عند أول صحو. الجسد يشتعل، واللغة تتعرّى، والغرفة لا تسمع سوى صدى الحمى. تتشكل القصيدة كحالة احتراق داخلي، كأن الشاعر يمسك جمرة الكلمة ليدفئ بها خراب العالم.


أما في قصيدة "خير التزود تقوى"، نواجه الذات في لحظة انكسار كونينحن أمام نص لا يصف الحالة بل يُنتِجها. القصيدة تهجس بفكرة "الخسارة المؤجلة"، وبتيهٍ لغويّ مقصود يشبه ذلك التلعثم الطفولي عند مواجهة الحزن لأول مرة. اللافت أن القصيدة تبدأ بـ"خير التزود تقوى"، كأنها تستعير جملة مطمئنة من إرث ديني، ثم تُسقِطها عمدًا في المتاهة. فهل ضاعت التقوى؟ أم أن المتاهة هي هذا الزمن الذي لم يَعُدْ يسمع شكوانا؟ القصيدة لا تجيب، بل تتركنا معلّقين على شفرة السؤال.
القصيدة عمل رمزي، تأملي، ذو نَفَس صوفي شفيف أحيانًا، تتماوج فيه اللغة كمرآة مشروخة تعكس ألم الشاعر

 
 تخـتصرين جُلَّ وُجُودنا
 في الـسِّـرِّ تـمـتـلـكـيـن نـبـل و سـام
 في الشَّـام يبرق حلمنا من قهرها 
و تـرُدُّهُ نـصــــراً للحياة ذمامي


هكذا، ببساطة خادعة، يلقي الشاعر قنبلته الصغيرة، ويغادر. كل نص ضربة، كل جملة فخّ للدهشة، كأن الكلمات تمارس دور الجلاد والمجني عليه معًا. يكتب جنيدو، من قلب العطش، لا ليسقي نفسه، بل ليقول إن الارتواء خيانة للجمال لديوان  مكتوبة بلغة "الألم "،  جزء من التجربة ذاتها. الشاعر، وهو ابن الألم السوري والعزلة الوجودية، يكتب من مكان لا تُرتّب فيه اللغة، بل تُكسر عمدًا لتعبّر عن فوضى الداخل.


هناك شعراءٌ يكتبون قصائدهم على أوراقٍ بيضاء، وهناك من ينقشها على عظم القلب. الشاعر السوري أحمد عبد الرحمن جنيدو لا ينتمي للنوع الأول، بل هو من سلالة المشتعلين، الذين لا يكتبون الشعر، بل يتعثرون به. في ديوانه اللافت "سقطت النقطة عن السطر"، لا يبحث جنيدو عن اكتمال المعنى، بل يكتبه وهو ينكسر. فالسطر لديه ليس نهايةً لجملة، بل هاوية، والنقطة التي تسقط ليست خطأً مطبعيًا، بل سقوط شاعرٍ في قلبه.

ثمة لحظة في الشعر لا تُكتب، بل تسقط. تمامًا كما تسقط "النقطة عن السطر"، فتتدحرج القصيدة من علٍ إلى حيث الفراغ، وتبدأ المعاني من تلك الهوة التي ظنناها نهاية. هذا ما يفعله أحمد عبد الرحمن جنيدو في ديوانه، لا يكتب نصًّا بقدر ما ينسف صيغته، يخلخل اللغة لا ليعيد ترتيبها، بل ليراقب هشاشتها وهي تتشظى تحت الضوء.كل نص في الديوان ومضة، أو رعشة، أو طيف لقول لم يُقل. القصائد قصيرة حد الوجع، لكن هذا القصر لا يعني البساطة، بل هو قصر النَفَس حين تتثاقل اللغة من فرط ما تحمل من إحباط، توق، وعشق مهزوم. لا شيء زائد في قصائد جنيدو، كل حرف مشحوذ كما السكين، يمر بك فلا تلتفت، ثم تجد جرحه ينزف بعد لحظات.


جنيدو لا يدّعي النبوءة، ولا يقدّم وصايا نهائية. بل على العكس، يبدو شاعرًا يعيش في المسافة بين السؤال واللايقين. هو ابن اللحظة، ابن العطب. يبحث عن الحبيبة ولا يجدها، يمدّ يده فتنكسر المسافة، يكتب فتخذله اللغة، يصمت فتصرخ القصيدة من صدره.
لا يتحدث جنيدو من علُ، بل يهبط إلى أسفل نقطة في الذات، حيث "السطر" ليس خطًّا لغويًا، بل خطُ حياة. يكتب عن الجرح لا بوصفه حدثًا، بل إقامة دائمة. لذا جاءت عناوينه ملغّمة بالوجع: الغرفة الصمّاء، سقوط، عبث، المسكون، لا أحد، ماذا تبقّى، صمتي... وهي عناوين لا تُطمئن القارئ بل تحفّزه على الولوج إلى النصّ كمن يفتح بابًا خلفيًا لجحيم أنيق.
في الديوان، لا يتحدث الشاعر عن ذاته وحدها، بل ينقّب عن الذات الجمعية، عن قلوب القراء، عن المنكسرين في زوايا الروح، أولئك الذين سقطوا مثل النقطة، ولم يجدوا سطرًا يحتويهم.
في ديوانه، لا تقف القصيدة عند شكل، فهي مرةٌ بيتُ غزلٍ شاميّ، ومرة عتبة لقصيدة نثر مشبعة بالرمز، ومرة أخرى تراتيل حزينة تهمسها ذاكرة شاعر من عقرب، البلدة التي يحملها في قلبه كخاتم أمٍّ لا تموت.

تبدو القصيدة لدى جنيدو ككائن حي، يتلوّى ويتشكل وفق انفعالاته، فتضيق العبارة حين يشتد الألم، وتفيض حين يتسع المعنى.
سقطت النقطة عن السطر 
ليس ديوانًا يُقرأ دفعة واحدة، بل يُرتشف على مهل، لأنه يقول ما لا يُقال، ويغامر بما لا تقدر عليه كثير من النصوص في زمن الصخب. إنه عمل يحتاج قارئًا شريكًا، يُعيد ترتيب الحروف التي أسقطتها الحياة
ديوان لا يسكن الرفوف، بل يسكن القلب. ولا يُقرأ في جلسةٍ واحدة، بل يُتذوّق كما تُتذوق الأغنية الحزينة التي تشبهك ولا تعرف لماذا....