الأبنودي ومكاوي وجاهين
في تقاطع زمني غريب لكنه شديد الرمزية، يصادف 21 أبريل من كل عام ذكرى رحيل ثلاثة من أعمدة الإبداع المصري والعربي، وهم: صلاح جاهين، شاعر الحلم والثورة، وسيد مكاوي، صاحب الأذن الموسيقية التي لا تخطئ، وعبد الرحمن الأبنودي، خال المصريين وابن الجنوب النابض
ثلاث شخصيات صنعت ملامح الوجدان المصري، وعبّرت عن الوطن والناس ببساطة الشعر، وسحر النغم، وصدق الكلمة.
ورغم اختلاف أدواتهم، فقد جمعهم الصدق، والانحياز للبسطاء، وموعد الرحيل نفسه.
21 أبريل.. قدرٌ يجمع الكبار
ليست مصادفة أن يرحل هؤلاء العمالقة في اليوم نفسه، بل لعلها إشارة كونية على أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يتجدد عبر مواعيد الرحيل لتظل الذكرى مشتعلة.
جاهين كتب الحلم، مكاوي لحّنه، والأبنودي حكى وجع الناس.
جميعهم انحازوا للمصري في الشارع، في البيت، في الحقل، في الجرح، وفي الفرحة.
ورغم مرور السنوات، فإن صلاح جاهين ما زال يُتلى، ومكاوي يُسمع، والأبنودي يُقرأ، وكأنهم لم يرحلوا، فـ"الكلمة الطيبة صداها بيعيش.. واللي غنى للوطن، عمره ما بيغيب."
صلاح جاهين.. شاعر الأحلام والخيبات
في 21 أبريل 1986، رحل صلاح جاهين، لكن كلماته بقيت: "أنا شاب لكن عمري ألف عام.. وحيد لكن بين ضلوعي زحام"، ابن شبرا الذي أعاد تعريف العامية المصرية عبر "الرباعيات"، فجعل منها مرآة فلسفية ساخرة ومؤلمة في آن. كتب للوطن، للثورة، للحرية، وللانكسارات التي هزّت جيله بعد نكسة 1967.
كان شاعرًا، ورسام كاريكاتير، وسيناريستًا، وملهمًا لأجيال. كتب لصفوة المطربين، من أم كلثوم إلى عبد الحليم، وتعاون مع مكاوي في "الليلة الكبيرة"، التي أصبحت مسرحًا شعبيًا خالدًا.
سيد مكاوي.. موسيقار الناس وصاحب الحنجرة الصوفية
في نفس التاريخ، بعد عشر سنوات من جاهين، رحل سيد مكاوي يوم 21 أبريل 1997.
كان مطربًا وملحنًا عبقريًا رغم فقدانه البصر. امتلك بصيرة موسيقية لا نظير لها، وخلق ألحانًا تسكن الذاكرة، وتنبض بالدفء.
من "يا مسهرني" لأم كلثوم، إلى تترات مسلسلات مثل "ليالي الحلمية"، إلى أغانيه العذبة كـ"الأرض بتتكلم عربي"، و"حلوين من يومنا والله"، كان صوت مصر الشعبي والنخبوي في آن.
اشتهر بمشروعه المسرحي الشعبي مع جاهين في "الليلة الكبيرة"، وجعل من الموال والمقامات الصوفية كنزًا في متناول الجماهير.
عبد الرحمن الأبنودي.. الخال الذي صاغ الجنوب بالكلمات
في 21 أبريل 2015، غاب عنا عبد الرحمن الأبنودي، شاعر العامية الذي خرج من قنا ليكتب لمصر كلها.
حكاياته عن "حراجي القط" وعذابات الفلاحين والعمّال، جعلته صوتًا للأرض وللقضية، وضميرًا للمهمشين.
كتب لـ عبد الحليم حافظ، ونجاة، ووردة، ومحمد منير، فصار شاعر الطرب والموقف.
ومثل جاهين، مزج السياسة بالعاطفة، وترك سيرة شعرية وسردية خالدة في دواوينه وسيرته الذاتية "أيامي الحلوة".