advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

علي جمعة يوضح أسباب انتشار غير المتخصصين في الحديث الديني عبر وسائل التواصل

المصير

الخميس, 10 إبريل, 2025

07:54 م

تحدّث الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتي الديار المصرية الأسبق، عن ظاهرة شيوع غير المتخصصين في الحديث عن الدين الإسلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالسطحية، بل لا بد من فهم جذورها التاريخية وأسباب نشأتها.

جاء ذلك خلال مشاركته في بودكاست "مع نور الدين" المذاع على قناة الناس، حيث ألقى الضوء على الخلفيات التي أدت إلى بروز هذه الفئة من المتكلمين في الدين، بالرغم من عدم تلقيهم تعليمًا أزهريًا تقليديًا أو تكوينًا علميًا رصينًا على يد علماء متخصصين.

الجذور التاريخية: من الاحتلال إلى انهيار الخلافة
أوضح الدكتور علي جمعة أن الظاهرة تعود جذورها إلى الفترة الاستعمارية التي عاشتها مصر والدول العربية في أوائل القرن العشرين. فقد تزامن وجود الاحتلال الإنجليزي في مصر، مع الاحتلال الفرنسي للجزائر وسوريا ولبنان، بينما كانت العراق أيضًا تحت السيطرة البريطانية. في تلك الفترة، نشأ لدى الشعوب الإسلامية شعور عميق بالاستلاب وغياب الاستقلال، ما دفع النخب إلى تقديم قضية التحرر من الاستعمار على قضية العلم الشرعي.

وأشار إلى أن السلطان عبد الحميد الثاني انتهى حكمه في عام 1908، وفيما بعد وقعت الثورة العربية الكبرى (1916)، تلتها ثورة 1919 في مصر، ثم انهيار الخلافة العثمانية عام 1924، مما أدى إلى حالة من الاضطراب الفكري والديني، حاول خلالها بعض المفكرين والعلماء إيجاد بدائل، بعيدًا عن المنهجيات العلمية المعتادة.

فشل محاولات إحياء الخلافة وتراجع الاهتمام بالعلم
بيّن جمعة أن انعقاد مؤتمر الخلافة في مصر عام 1925 كان إحدى هذه المحاولات لإعادة دور مصر القيادي في العالم الإسلامي، إلا أن التدخلات الأجنبية منعت تحقق هذه الرؤية، كما أن مؤتمر الخلافة في الهند عام 1926 لم يتناول القضايا الحقيقية للأمة، بل انشغل بمسائل هامشية لا تعالج أزمة الانهيار السياسي والديني.

هذا الواقع أفرز حالة من الفوضى الفكرية والدينية، جعلت كثيرًا من المحاولات تبتعد عن التأصيل العلمي، وتتوجه نحو التحفيز العاطفي، مما أتاح المجال لظهور متحدثين باسم الدين من غير المختصين.

معهد المنار.. تجربة واعدة لم تكتمل
تحدّث الدكتور علي جمعة عن مبادرة الشيخ محمد رشيد رضا بإنشاء معهد المنار، الذي كان يهدف إلى تخريج دعاة قادرين على مواجهة الاحتلال. غير أن هذا المعهد، بحسب جمعة، لم يلتزم بالمناهج الأزهرية المتعمقة، مما سمح بدخول عناصر غير متمكنة علميًا إلى الساحة الدعوية، وهو ما مهّد الطريق لظهور أصوات دينية تفتقر للمنهجية والضبط العلمي.

التدريس السريع وتداعيات "التيك أوي" في العلوم الشرعية
شبّه جمعة تلك الأساليب التعليمية السريعة بما سماه بـ"التعليم التيك أوي"، الذي ينتج دعاة بلا تأصيل علمي، مما أسفر عن انتشار أفكار غريبة وشاذة عن الموروث الديني السليم. واستشهد بحالة محمد أبو زيد الدمنهوري، مؤلف كتاب "العرفان في تفسير القرآن"، والذي أنكر فيه المعجزات والحدود والميراث، مما جعله محل انتقاد واسع من علماء التفسير، لا سيما الشيخ الذهبي الذي وصف تفسيره بأنه إلحادي.

وأضاف أن هذا النموذج يعكس مآلات الابتعاد عن مناهج الأزهر الأصيلة، حيث انتهى الأمر بمحمد أبو زيد إلى رفع قضايا قانونية ضده وسحب كتابه من التداول، ولا يوجد له اليوم إلا نسخة محفوظة في دار الكتب المصرية.

دعوة للعودة إلى مناهج العلم الرصينة
اختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب الرجوع إلى مناهج العلم المؤصلة التي تستند إلى الدراسة المنهجية المتدرجة، مشددًا على أن العلم الشرعي لا يؤخذ من وسائل التواصل الاجتماعي ولا من أصحاب الشعبية الزائفة، بل من العلماء الراسخين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين وفق أسس علمية دقيقة.