كتب :محمد أبوزيد
في موكب تشييع مهيب، اجتمع نحو مليون شخص ، لوداع الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، الذي اغتالته إسرائيل قبل أشهر في عملية وصفتها المقاومة بـ"الجبانة".
المشهد لم يكن عادياً: علماء دين، قادة سياسيون لبنانيون وعرب، وفود إيرانية رسمية برئاسة وزير الخارجية، وحشود من أنصار الحزب داخل لبنان وخارجه، وصولاً إلى رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ممثلاً عن الرئيس جوزيف عون. لكن اللحظة الأبرز كانت للشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الجديد للحزب، الذي ألقى خطاباً نارياً من خلف شاشة ضخمة، مُرسِلاً رسالةً إلى إسرائيل: "المقاومة مستمرة... بالطريقة والتوقيت الذي **نحدده نحن*
"فَشَرْ": الكلمة التي حوّلت الخطاب إلى سلاح
اللحظة الأكثر إثارة في الخطاب كانت عندما هاجم المخطط الأمريكي الساعي للحصول لإسرائيل عن طريق السياسة ما عجزت في الحصول عليه بالحرب، مطلقا كلمة واحدة "فشر "، أطلقها بصوتٍ قوي للغاية مُصحوبةً بإيماءة يد قوية ، وكأنها تُخرِج الغضب المتراكم من صدور الحاضرين. فما قصة هذه الكلمة؟
مصرية أم سورية؟
هناك خلاف بين اللغويين حول أصل كلمة "فَشَر"، ما بين من يرى أنها كلمة عامية مصرية خالصة، تعود إلى اللهجة المصرية الدارجة، وتُستخدم في سياق السخرية من شخصٍ يُبالغ في الادعاء أو التفاخر بأمرٍ وهمي، وغالباً ما تُوجَّه في المشادات الكلامية بين النساء. بينما يرى آخرون أنها سورية وتعني شخص يكذب، بينما تشير بعض المعاجم إلى أن الكلمة فصحى أصيلة تأتي من فهد فشر، يفشر، أي يكذب.
ويقو لغويون آخرون إن أصلها يعود إلى كلمة "فَشَّ" بمعنى "أظهر ما خفي"، لكنها تحوّلت في الاستخدام الشعبي إلى تعبيرٍ عن تفكيك الأوهام، ومعناها الدقيق "هيهات هيهات" .
المفارقة أن الكلمة ليست لبنانية في الأصل *، ولم تُسمع في الخطاب السياسي اللبناني من قبل، ما يطرح تساؤلات عن سبب اختيار قاسم لها.
يرى محللون أنها محاولة لـ"تأنيس الخطاب" وجعله أقرب إلى الشارع العربي عموماً،ومحاولة من قاسم أن يسير علي نهج نصر الله الذي كانت خطاباته تهز المنطقة وكانت مليئة بالجمل العامية المثيرة .
كما أن استخدامها بلهجة مصرية وسورية واضحة يُشير إلى استهدافٍ مباشر للرأي العام العربي، وليس اللبناني فقط.
هل سبق أن استخدمها قادة؟
رغم وجود الكلمة في المسلسلات والأغاني المصرية (كأغنية "فَشَرْنا عليكوا" لـعلي الحجار)، إلا أن ظهورها في خطابٍ سياسي بهذه الشراسة يُعتبر سابقة. فالقادة عادةً يلتزمون بالفصحى أو اللهجة المحلية، لكن قاسم اختار كلمة "مستعارة" لتعميق التأثير.
يُذكر أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر استخدم مصطلحات عامية في خطاباته لكن "فَشَر" تبقى الأكثر جرأةً في سياق التحدي.
وهناك نكتة شعبية تقال في مصر أن عبد الناصر في أحد خطاباته قال سأحارب إسرائيل حتى لو بالنبوت، وهي عصا شهيرة في الأفلام المصرية، وبعد أن سمعت إسرائيل هذه الجملة ظلت تبحث عن سلاح النبوت خشية أن يكون سلاحا سريا لدى ناصر أو سلاحا نوويا.
خطاب قاسم.. لغة الجسد التي حوّلت الكلمات إلى رصاص
لم تكن الكلمات وحدها هي السلاح الذي استخدمه قاسم لإيصال رسائل لإسرائيل ، بل لغة الجسد التي رافقته طوال خطابه كانت مثيرة للغاية
- **اليدان**: حركات قاطعة من الأعلى إلى الأسفل عند عبارة "لن نتنازل"، وكأنه يُقسِم يميناً.
- **الصوت**: ارتفع بشكلٍ دراماتيكي عند "فَشَر"، مع تطويل الحرف الأخير، ما خلق تفاعلاً لحظياً مع الحشود التي رددت الهتاف.
- **الوقفة**: جسده لم يتحرك من مكانه، إشارة إلى ثبات الموقف رغم العاصفة
جعل الحاضرين يدركون قوة َتأثير نعيم قاسم.
لماذا "فَشَر" تحديداً؟
**السخرية من التفوق الإسرائيلي**: وصف المناورات السياسية بأنها "فَشَر" أي ادعاءات فارغة.
-التواصل مع الجماهير ب استخدام العامية المصرية الأكثر انتشاراً عربياً –
.
--عندما تتحول الكلمة إلى قنبلة موقوتة
خطاب نعيم قاسم لم يكن مجرد تأبين، بل بيانٌ سياسيٌ مُقنَّع بثقافة شعبية. كلمة "فَشَر" التي قد تبدو بسيطة، نجحت في إيصال الرسالة، فاسرائيل و عصابة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو كانت تروج أن حزب الله بعد تفجيرات البيجر واغتيال نصر الله وهاشم صفي الدين والسواد الاعظم من قادة الصف الأول قد انتهى بلا رجعة، فإذا بها مصدومة بكل ما جري في جنازة نصر الله وخطاب نعيم قاسم.