شهدت العاصمة الكورية الشمالية تحولاً استراتيجياً جديداً في مسار وتوازنات القوى الإقليمية، عقب إعلان بيونغ يانغ رسمياً عن تبني حزمة من الإجراءات الحاسمة الرامية إلى توسيع وتطوير قدراتها النووية من حيث الحجم والنوعية على حد سواء.
وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع توجيهات صارمة أصدرها زعيم البلاد كيم جونغ أون، والتي شدد فيها على ضرورة التحديث الشامل للقدرات القتالية للجيش الكوري الشمالي ورفع مستويات جاهزيته القصوى، لمواجهة ما وصفها بالتهديدات المتصاعدة والمخاطر الأمنية المحيطة بالنظام، وهو ما يفتح الباب مجدداً أمام جولة شديدة التعقيد من التصعيد العسكري في شبه الجزيرة الكورية.
وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، فإن هذه القرارات المصيرية قد صيغت وتم إقرارها خلال اجتماع موسع وعاجل للجنة العسكرية المركزية لحزب العمال الحاكم، والذي عُقد برئاسة كيم جونغ أون شخصياً لبحث الخيارات الاستراتيجية المتاحة للدفاع عن الدولة.
وقد أكد الزعيم الكوري الشمالي خلال هذا الاجتماع الرفيع أن تحقيق الأمن المستدام وحماية السلام الحقيقي للبلاد لا يمكن أن يتم عبر الدبلوماسية التقليدية، بل يرتكز حصراً على بناء جيش قوي وقوة ردع استثنائية تكون قادرة على فرض السيطرة الكاملة وإحباط كافة التهديدات والمؤامرات الخارجية قبل وقوعها.
ملامح الخطة الشاملة لتحديث البنية التحية العسكرية
لم تتوقف مخرجات الاجتماع العسكري الموسع عند حدود التوجيهات السياسية العامة، بل أقرت اللجنة العسكرية خططاً تنفيذية دقيقة ومكثفة تهدف إلى إحداث ثورة في البنية التحتية التقنية والفنية للأنظمة القتالية المعمول بها في الجيش.
وتشمل هذه الخطط توحيد المعايير والمواصفات القياسية في كافة القواعد العسكرية المنتشرة في البلاد وتحديثها لتواكب متطلبات الحروب الحديثة والذكية، فضلاً عن ضخ استثمارات عسكرية ضخمة لتعزيز الكفاءة النوعية للقوات النووية وتوسيع ترسانتها، مما يعكس رغبة واضحة من بيونغ يانغ في تحويل جيشها إلى قوة هجومية ودفاعية بالغة التطور وعصية على الاختراق.
وتأتي هذه الخطوات التصعيدية المتسارعة في سياق مساعي بيونغ يانغ المستمرة لتثبيت مكانتها كقوة نووية أمر واقع وسط أجواء من التوتر الأمني المستمر وتصاعد وتيرة المناورات المشتركة بين الولايات المتحدة وجارتها الجنوبية.
وينظر النظام الكوري الشمالي إلى قواته النووية باعتبارها الركيزة الأساسية والضمانة الوحيدة لبقائه، حيث صُممت هذه الترسانة لتلعب دوراً مزدوجاً يجمع بين الردع الاستراتيجي لمنع أي غزو بري أو جوي، وتوجيه ضربات انتقامية ساحقة ومدمرة فوراً في حال تعرضت القيادة العليا أو مؤسسات النظام الحاكمة لأي تهديد مباشر.
ترسانة الردع بين الأرقام الدولية والقدرات الانشطارية
على الجانب الآخر من المشهد، تثير هذه التطورات قلقاً عميقاً لدى الأوساط الاستخباراتية ومراكز الأبحاث الدولية، والتي تشير أحدث تقديراتها إلى أن كوريا الشمالية باتت تمتلك بالفعل مخزوناً عسكرياً مؤثراً يتراوح ما بين خمسين إلى تسعين رأساً نووياً جاهزاً للاستخدام الفوري.
ولا تقتصر الخطورة على الرؤوس الجاهزة فحسب، بل تؤكد التقارير الدولية أن بيونغ يانغ نجحت في تأمين كميات ضخمة ومستدامة من المواد الانشطارية واليورانيوم المخصب، مما يمنحها القدرة التقنية والعلمية الفائقة على إنتاج المزيد من الأسلحة الفتاكة ومضاعفة حجم ترسانتها بسرعة قصوى كلما دعت الحاجة السياسية أو العسكرية لذلك.
وفيما يتعلق بوسائل وآليات إطلاق هذا السلاح الفتاك، تتبع كيم جونغ أون استراتيجية تعتمد على التنويع الهيكلي لمنظومات الإطلاق لضمان القدرة على توجيه ضربات مضادة وقاتلة من مختلف الجبهات والبيئات، وهو ما يصعب على الرادارات الغربية تتبعه.
وتأتي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في مقدمة هذا التنوع، ولا سيما صاروخي هواسونغ سبعة عشر وهواسونغ ثمانية عشر الذي يعمل بالوقود الصلب ويتميز بسرعته الفائقة في الإطلاق والتجهيز، ويمتلك مدى استراتيجياً يضعه في القدرة على ضرب عمق الأراضي والمدن الأمريكية الرئيسية بشكل مباشر.
استراتيجية التنويع لتفادي الدفاعات الجوية وضمان الضربة المضادة
إلى جانب الصواريخ العابرة للقارات، يمتلك الجيش الكوري الشمالي منظومات متطورة من الصواريخ الباليستية متوسطة وقصيرة المدى، والتي تم تصميمها وهندستها بدقة لتستهدف القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية التابعة للولايات المتحدة في المحيط الهادئ، وتحديداً في جزيرة غوام، بالإضافة إلى قدرتها على شل الحركة العسكرية في العمق الياباني والأراضي الكورية الجنوبية خلال دقائق معدودة.
هذا التهديد الإقليمي يتكامل مع قدرات بحرية متنامية تتمثل في امتلاك بيونغ يانغ لغواصات هجومية قادرة على إطلاق صواريخ باليستية نووية من تحت الماء، مما يوفر لها ميزة التخفي وصعوبة الرصد والمناورة التكتيكية قبل توجيه الضربة الأولى.
ولاستكمال الطوق الهجومي وتفادي الشبكات الدفاعية المتطورة التي تنشرها واشنطن وحلفاؤها في المنطقة، يضم نظام التسلح الكوري الشمالي أسراباً من الصواريخ المجنحة وكروز التي تحلق على ارتفاعات منخفضة جداً وبتضاريس ملاصقة للأرض.
وتتميز هذه الصواريخ بقدرات فائقة على المراوغة الذاتية وتغيير مساراتها في الهواء لتضليل الدفاعات الجوية المتطورة وتفادي صواريخ الاعتراض الباليستية، الأمر الذي يضع المنطقة برمتها أمام واقع أمني جديد ومعقد، يعيد رسم موازين القوى ويجعل من شبه الجزيرة الكورية بؤرة مشتعلة ومهددة بالانفجار في أي وقت.
موضوعات متعلقة
رويترز: ترامب يجري اتصالات حاسمة الليلة مع قادة مصر والسعودية والإمارات
ترامب: دمرنا إيران والجزء الأصعب انتهى
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. تصعيد تشريعي من 5 بنود مثيرة
وزير الحرب الأمريكي: الحفاظ على عنصر المفاجأة أولوية وواشنطن تسعى لاتفاق مع إيران