تحل اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي، أحد أبرز رموز الفن المصري والعربي، والذي نجح على مدار عقود في ترسيخ مدرسة فنية خاصة جمعت بين الكوميديا الراقية والدراما الإنسانية، حتى استحق لقب «مهندس الضحك». ورغم مرور سنوات على رحيله، لا تزال أعماله حاضرة في وجدان الجمهور، باعتبارها جزءًا من ذاكرة الفن المصري.
من باب الشعرية إلى خشبة المسرح
ولد عبد المنعم مدبولي عام 1921 في حي باب الشعرية بالقاهرة، ودرس في كلية الفنون التطبيقية، إلا أن شغفه بالتمثيل بدأ منذ سنوات الدراسة، حيث شارك في فرق المسرح المدرسي بعيدًا عن علم أسرته.
وبعد تخرجه، عمل مدرسًا بقسم النحت في كلية الفنون التطبيقية، وفي الوقت نفسه التحق بمعهد الفنون المسرحية، قبل أن يبدأ مشواره الفني عبر الإذاعة من خلال البرنامج الشهير ساعة لقلبك، إلى جانب مشاركته في برنامج الأطفال «بابا شارو»، ثم انتقل إلى مسرح التلفزيون حيث جمع بين التمثيل والإخراج.
«المسرح الحر».. بداية صناعة النجومية
كانت الانطلاقة الحقيقية لعبد المنعم مدبولي عندما أسس، وهو لا يزال طالبًا، فرقة «المسرح الحر» بمشاركة عدد من زملائه، من بينهم سعد أردش وصلاح منصور وعبد الحفيظ التطاوي.
وقدمت الفرقة أعمالًا مسرحية مثل «المغناطيس» و«الأرض الثائرة»، ولاقت نجاحًا دفع وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة إلى دعمها وإتاحة عروضها على مسرح دار الأوبرا المصرية القديمة، لتبدأ رحلة مدبولي نحو النجومية.
صاحب الفضل في اكتشاف ثنائي فؤاد المهندس وشويكار
ارتبط اسم عبد المنعم مدبولي أيضًا باكتشاف واحد من أشهر الثنائيات في المسرح المصري، إذ رشح فؤاد المهندس وشويكار للمشاركة في مسرحية «السكرتير الفني»، بعد اعتذار المخرج السيد بدير عن استكمال العمل بسبب سفره، لتبدأ من هناك الشراكة الفنية الشهيرة بين المهندس وشويكار.
مسيرة مسرحية صنعت «المدبوليزم»
أسس عبد المنعم مدبولي فرقته الخاصة التي حملت اسم «المدبوليزم»، وقدم من خلالها مجموعة من المسرحيات الناجحة، من بينها «حمار ما شالش حاجة»، و«مولود في الوقت الضائع»، و«راجل مفيش منه».
كما قدم شخصية الناظر في النسخة الأولى من مسرحية مدرسة المشاغبين قبل أن يجسدها لاحقًا حسن مصطفى، وشارك في بطولة المسرحية الشهيرة ريا وسكينة إلى جانب شادية وسهير البابلي، والتي حققت نجاحًا كبيرًا واستمرت عروضها لسنوات.
نجاحات في السينما والدراما
انتقل مدبولي إلى السينما ليشارك في نحو 60 فيلمًا، من أبرزها الحفيد، وإحنا بتوع الأتوبيس، و«مولد يا دنيا» الذي قدم خلاله أغنيته الشهيرة «زمان غريب يا زمان»، كما كان آخر أفلامه أريد خلعًا.
وفي الدراما التلفزيونية، ترك بصمة لا تُنسى من خلال مسلسل أبنائي الأعزاء.. شكرًا، الذي قدم خلاله عددًا من أغنيات الأطفال الشهيرة، كما شارك في الجزء الرابع من يوميات ونيس، بينما كان مسلسل «الكلام المباح» آخر أعماله الدرامية عام 2005.
الرحيل ومذكرات تكشف أسراره
أصيب عبد المنعم مدبولي في سنواته الأخيرة بسرطان الكبد، لكنه لم يعلن اعتزاله، حتى رحل إثر أزمة قلبية في مثل هذا اليوم من عام 2006، تاركًا إرثًا فنيًا لا يزال حاضرًا حتى الآن.
وفي السنوات الأخيرة، شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب توقيع كتاب «مذكرات عبد المنعم مدبولي»، الذي أعده الكاتب محمد سعيد محفوظ، وكشف من خلاله نجل الفنان أن المذكرات كُتبت بخط يد والده دون تعديل، لتوثق تفاصيل حياته الشخصية والفنية، وتعكس شخصيته التي جمعت بين الحزم والإنسانية والعطاء.