advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

طقس الجرتق السوداني.. احتفال تتوارثه الأجيال ويعانق العالمية بلمسة تراثية آسرة

محمد يوسف

السبت, 9 مايو, 2026

10:38 ص

في أجواء تتداخل فيها الألوان الحمراء والذهبية مع عبق الصندل والعود، تتجلى مراسم “الجرتق” السوداني كأحد أكثر الطقوس التراثية ثراءً وعمقًا، حيث تجلس العروس مرتدية “القرمصيص” في مشهد احتفالي يعكس امتدادًا بصريًا لذاكرة ثقافية نيلية عريقة.


ومع إيقاع “الدلوكة” وارتفاع الزغاريد، يبدأ الطقس التقليدي الذي لم يعد مجرد عادة زواج، بل تحول إلى رمز ثقافي يعبر الحدود، ويجذب اهتمامًا عالميًا بوصفه نافذة على التراث السوداني.


الجرتق.. طقس حماية وفأل حسن
يُعد طقس الجرتق من أبرز المظاهر التقليدية المرتبطة بالزواج في السودان، حيث يحمل في مضمونه الشعبي دلالات تتعلق بجلب البركة والحماية من الحسد والعين، وفق الموروث الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال.
ويجمع هذا الطقس بين عناصر من التراث العربي والأفريقي، في إطار ثقافي يُعرف بتعدد روافده وتمازجه، ما جعله أحد أبرز رموز “الوحدة في التنوع” داخل المجتمع السوداني.


جذور تاريخية تمتد إلى الحضارات القديمة
تشير دراسات وبحوث في التراث السوداني إلى أن أصول الجرتق تعود إلى الممالك القديمة في شمال السودان، خاصة المنطقة النيلية، قبل أن ينتشر تدريجيًا إلى مناطق أخرى داخل البلاد وخارجها.
ويرى باحثون أن بعض الأدوات المستخدمة في الطقس تحمل دلالات تاريخية قديمة، كما أن ملامحه ترتبط بآثار حضارات مثل كرمة ومروي، ما يعزز فرضية عمقه التاريخي الممتد عبر آلاف السنين.


طقوس رمزية تعكس المودة والتطهير
يتضمن الجرتق مجموعة من الطقوس الرمزية، من بينها استخدام اللون الأحمر والبخور واللبن، حيث يُعتقد أن هذه العناصر تحمل دلالات تتعلق بطرد الأرواح الشريرة وتعزيز صفاء النية بين العروسين.


ومن أبرز هذه المراسم طقس “بخ اللبن”، الذي يرمز إلى المحبة والصفاء، إلى جانب طقس “قطع الرحط” الذي يُعد لحظة احتفالية تعبر عن الانتقال إلى حياة جديدة، وسط أجواء مليئة بالغناء الشعبي والتفاعل الاجتماعي.


حضور عالمي وانتشار رقمي واسع
لم يعد الجرتق محصورًا داخل السودان، بل تجاوز حدوده الجغرافية ليصل إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث ساهمت “تيك توك” و”إنستغرام” في إعادة تقديمه كظاهرة بصرية جذابة حظيت بملايين المشاهدات.
كما امتد هذا التراث إلى دول مجاورة في محيط النيل والقرن الأفريقي، ما يعكس عمق الامتداد الثقافي لهذا الطقس الذي ظل محافظًا على هويته رغم تغير الزمن.


اعتراف دولي كتراث غير مادي
وفي خطوة تعكس قيمته الثقافية، أدرجت منظمة اليونسكو طقس الجرتق ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، تأكيدًا على أهميته كجزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة.


ورغم التحولات الاجتماعية الحديثة، لا يزال الجرتق حاضرًا بقوة في الوجدان السوداني، محافظًا على دوره كطقس يجمع العائلة ويعيد صياغة معنى الاحتفال في قالب تراثي متجدد.