advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

بنوك مصر بين فكي الكماشة: مليارات "الكبار" تبتلع حصص "الصغار".. كيف ذلك؟

مصطفى علوان

الخميس, 23 إبريل, 2026

09:23 م

يشهد القطاع المصرفي المصري تحولات استراتيجية عميقة في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول فلسفة توجيه الائتمان.

فبينما تُضخ تريليونات الجنيهات في مشروعات عقارية وإنشائية كبرى، يواجه الاقتصاد ما يمكن وصفه بـ "الفجوة التمويلية المركبة"، والتي تضع ودائع المصريين وموارد البنوك الوطنية أمام اختبار حقيقي للموازنة بين دعم المشروعات القومية وتنمية الاقتصاد الإنتاجي الصغير.

هيكل المحفظة الائتمانية: استحواذ "الكبار" وتهميش الصغار

تكشف المؤشرات المالية الأخيرة عن خلل هيكلي في توزيع القروض داخل أكبر المؤسسات المصرفية الحكومية.

ففي الوقت الذي يسعى فيه البنك المركزي لرفع حصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتصل إلى 25% من محفظة البنوك، تشير الأرقام الواقعية إلى أن كبار العملاء والشركات الضخمة يستحوذون على حصة الأسد بنسبة تتجاوز 87% من إجمالي الائتمان الممنوح.

هذا التركز الائتماني يقلص الفرص المتاحة للمشروعات الناشئة التي لا تتجاوز حصتها في بعض البنوك الكبرى سقف الـ 6%، مما يعيق قدرة القطاع الخاص الصغير على قيادة القاطرة التنموية.

تمويل العقارات الفاخرة.. استثمار طويل الأمد أم مخاطرة نظامية؟

تتجه السيولة المصرفية، وبشكل مكثف، نحو قطاع التشييد والبناء والمشروعات العمرانية الكبرى (مثل مشروع "ذا سباين" وغيره)، حيث يتم الاعتماد على "الرافعة المالية" بنسب مرتفعة.

ويعتمد المطورون العقاريون في هذه الصفقات على تمويلات بنكية ضخمة مستمدة من ودائع المواطنين، مما يخلق وضعاً يتم فيه "تعميم المخاطر" على قاعدة المودعين العريضة، في مقابل "تركيز الأرباح" لدى فئة محدودة من كبار المطورين والمستثمرين الإقليميين.

الفجوة التمويلية المركبة: ضغوط السيولة والالتزامات الخارجية

يواجه الاقتصاد المصري ضغوطاً متزايدة لتدبير احتياجات تمويلية خارجية تتراوح تقديراتها بين 80 و88 مليار دولار بحلول نهاية عام 2026.

وتتوزع هذه الاحتياجات بين خدمة الدين الخارجي، وسد العجز التجاري، وتعزيز الاحتياطي النقدي.

وفي ظل هذا الضغط، يصبح توجيه السيولة المحلية نحو مشروعات عقارية طويلة الأجل (تمتد عوائدها لـ 15 عاماً) تحدياً استراتيجياً، إذ قد يؤدي ذلك إلى "حبس" الأموال في أصول غير سائلة في وقت يحتاج فيه الاقتصاد لمرونة عالية لمواجهة تقلبات العملة والالتزامات الدولية الصارمة.

أوهام العوائد الضريبية وتحديات اتفاقيات "الازدواج"

تروج بعض التقارير لعوائد ضريبية ضخمة من المشروعات الكبرى، إلا أن الواقع الضريبي يواجه عقبتين:

ـ اتفاقيات منع الازدواج الضريبي: التي قد تسمح للمستثمرين الأجانب بتحويل أرباحهم الرأسمالية للخارج دون سداد ضرائب حقيقية داخل مصر.

ـ التكاليف الخفية للبنية التحتية: حيث تتحمل الخزانة العامة (ودافع الضرائب) تكلفة توصيل المرافق وشبكات الطرق لهذه المشروعات، مما يجعل صافي العائد التنموي للدولة محل تساؤل مقارنة بحجم الاستثمارات الموجهة لقطاعات أكثر إنتاجية كالزراعة والصناعة.

مستقبل الائتمان: البحث عن "عدالة تمويلية"

يبقى السؤال المطروح على طاولة صانعي السياسة النقدية: هل يمكن للقطاع المصرفي الاستمرار في نموذج يعطي الأولوية للمشروعات "البراقة" على حساب الاستدامة الإنتاجية؟.

إن الحاجة ماسة الآن لكسر "اقتصاد المحسوبية الائتماني" وإعادة البوصلة نحو الشمول المالي الحقيقي الذي يضمن وصول التمويل للمصانع الصغيرة والمزارعين والشركات التكنولوجية، لضمان حماية مدخرات المصريين وتحويلها إلى وقود للتنمية الشاملة بدلاً من حصرها في "جزر رفاهية" منعزلة.

موضوعات متعلقة

صندوق النقد: سياسات مصر عززت استقرار الاقتصاد وقدرته على مواجهة الصدمات 

ـ صندوق النقد الدولي يحذر: الحرب الإيرانية أكبر تحدٍ للاقتصاد العالمي ومصر