ارشيفية
في عصر أصبحت فيه "المشاهدات" عملة رابحة، لم تعد الحقائق تصمد كثيراً أمام طوفان الفبركة.
وتجسد قصة رحيل زوجين مسنين في الإسماعيلية الوجه القبيح لصناعة الشائعات؛ حيث تحولت واقعة إنسانية شديدة النبل والوفاء إلى رواية بوليسية قاتمة تتحدث عن الانتحار والدماء، فقط من أجل جذب الانتباه وإثارة البلبلة في المجتمع.
بدأت الشائعة برسم مشهد درامي بالغ القسوة، ادعى مروجوه أن زوجاً سبعينياً أقدم على إنهاء حياته بيده، وأن زوجته التي لم تحتمل الصدمة قررت اللحاق به عبر إلقاء نفسها في نهر النيل.
بل وذهب مروجو الشائعات إلى أبعد من ذلك، مستشهدين بشهادات وهمية لجيران "مجهولين" زعموا أن الزوجين كانا منعزلين، في محاولة لإضفاء مسحة من الغموض على الحادثة وربطها بموجة من حالات الانتحار الوهمية.
على النقيض تماماً، كشفت الحقائق وشهادات الشهود عن واقعة إنسانية تهز القلوب؛ فالزوج توفي بشكل طبيعي إثر أزمة قلبية مفاجئة عام 2025 بالإسماعيلية.
وأكد "عادل الملا"، أحد شهود العيان، أن الحقيقة أبسط وأعمق من كل الافتراءات؛ حيث انهارت الزوجة نفسياً من فرط الحزن والارتباط بشريك عمرها، لتلفظ أنفاسها الأخيرة بجواره بعد دقائق معدودة من رحيله.
واستنكر عادل الملا محاولات تضخيم الموضوع وتحويله إلى "قصة انتحار" معقدة، قائلاً: "مش فاهم ليه تم تحويله لقصة مالهاش أساس من الصحة.. الحقيقة أبسط بكتير ومؤلمة في حد ذاتها بدون إضافات وهمية".
وأضاف أن الناس في غنى عن هذا التضليل الذي لا يراعي حرمة الموت ولا مشاعر أسر الضحايا، مؤكداً أن ما حدث كان تجسيداً لقوة الارتباط الإنساني الذي لم يحتمل معه قلب الزوجة فراق زوجها.
تكمن الخطورة الحقيقية في هذه الظاهرة في قدرتها على خلق حالة من "الرعب المزيف" وفقدان الثقة في المعلومات.
فبناء قصص خيالية على أنقاض أحداث حقيقية لا يضلل الجمهور فحسب، بل يسيء لسمعة الراحلين ويحول المأساة الشخصية إلى مادة للترفيه الرخيص.
إن واقعة "زوجي الإسماعيلية" تظل تذكرة بضرورة تحري الدقة، فالحقيقة المجرّدة أحياناً تكون أكثر تأثيراً ونبلاً من كل روايات الخيال "المفبركة" للتريند.
مواضيع متعلقة
"أزمة نفسية" تدفع شاباً لإنهاء حياته داخل حي أبو الريش
"فيديوهات خادشة".. محكمة القاهرة الاقتصادية تحسم اليوم مصير التيك توكر "مداهم"