على تخوم الصحراء الشرقية، حيث الصمت يقطعه دوي الماكينات، تشق فتيات مركز "قفط" بمحافظة قنا طريقهن يومياً نحو المنطقة الحرة الصناعية.
هناك، وسط أكثر من 3000 مصنع تكافح لإثبات كفاءتها، اختارت هؤلاء الفتيات تحدي الصعاب وعدم الاستسلام لنقص المواصلات أو وعورة الطريق، حيث يجتمعن لتأجير سيارة خاصة تنهب المسافات وصولاً إلى لقمة عيش شريفة، في رحلة يومية تبدأ من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة عصراً.
صناعة الحياة وسط النيران
داخل أحد مصانع "الصاموليات الحديدية"، تتبدل ملامح الرقة بملامح الجد والتركيز؛ فبين النيران المتأججة والحديد المنصهر، تقف فتيات مثل "سمية فكري" و"تسنيم حسن" بملابس الحماية وقفازات العمل الشاق.
سمية، خريجة المدرسة الصناعية، ترى في وهج النار فرصة لتطبيق دراستها وتأمين مستقبلها بدلاً من "عزلة المنازل"، مؤكدة أن مشقة العمل تتضاءل أمام حلم "التثبيت" والاستقلال المادي الذي يجنبها عناء العوز.
تحديات الصيف وسر التناغم الجماعي
تتضاعف المعاناة مع حلول فصل الصيف، حيث تجتمع حرارة الجو مع لهيب الأفران، لكن "فاطمة محمود" وزميلاتها يواجهن ذلك بالانضباط والدقة.
تسرد الفتيات قصة نجاح يومية، حيث ينتجن مئات القطع الحديدية بفضل نظام "المراحل" والعمل الجماعي؛ فكل فتاة تتسلم مرحلة لتسلمها لزميلتها، في تناغم يعكس مهارة فائقة اكتسبنها بالممارسة والتعلم المستمر، ليرسمن صورة مشرفة للمرأة الصعيدية التي اقتحمت أصعب المهن وأكثرها خشونة.
لا تقتصر دوافع هؤلاء الفتيات على الجانب المادي فقط، فبالنسبة لـ "منيرة مهنا" وزميلاتها، العمل هو "تحقيق للذات" وإثبات للقدرة على تحمل المسؤولية.
وتختتم الفتيات حديثهن بروح وطنية عالية، مؤكدات أن إتقانهن لهذه الحرفة الشاقة هو جزء من خدمة بلدهن، فكلما زادت مهارتهن، زاد إنتاج المصنع، مما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني، ليثبتن أن "بنات قنا" قادرات على تحويل لهب النار إلى نور يضيء مستقبلهن ومستقبل أسرهن.