كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة تدرس بجدية خيار الانسحاب الكامل لقواتها من الأراضي السورية.
في ظل التطورات الميدانية الأخيرة وانهيار شبه كامل للقوات التي يقودها الأكراد والمدعومة من واشنطن، وهو ما أعاد فتح النقاش داخل دوائر صنع القرار الأمريكية حول جدوى الاستمرار في هذا الوجود العسكري.
وبحسب التقرير، فإن التفكير الأمريكي في الانسحاب لا يرتبط بإعلان نصر حاسم أو انتهاء التهديدات الأمنية في سوريا، بقدر ما يعكس مراجعة شاملة لمسار طويل اعتمدت فيه واشنطن على إدارة الصراع عبر وكلاء محليين، مع وجود عسكري محدود ومنخفض التكلفة.
هذا النموذج، الذي شكّل أساس الاستراتيجية الأمريكية في سوريا لسنوات، بدأ يفقد فاعليته مع تغيّر موازين القوى على الأرض.
وأوضحت الصحيفة أن المواجهات الأخيرة بين القوات الكردية المدعومة أمريكيًا والقوات الحكومية السورية، والتي انتهت بتراجع حاد في نفوذ الأكراد، دفعت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» إلى التشكيك في الفوائد الحقيقية لاستمرار نشر القوات الأمريكية في سوريا.
وأشارت إلى أن ما يحدث حاليًا لا يمثل مجرد إعادة تموضع عسكري، بل يعكس انهيار الأداة الأساسية التي منحت الوجود الأمريكي هناك معناه ووظيفته.
وعادت «وول ستريت جورنال» إلى جذور التدخل الأمريكي في سوريا عام 2014، حين دخلت الولايات المتحدة الصراع بهدف هزيمة تنظيم «داعش» دون الانجرار إلى حرب شاملة، معتمدة على شريك محلي يقاتل على الأرض، بينما تقدم واشنطن الدعم العسكري والاستخباراتي.
وقد بدا هذا النموذج ناجحًا لعدة سنوات، لا سيما بعد إعلان سقوط «الخلافة» المزعومة للتنظيم عام 2019، حيث ارتبط الوجود الأمريكي بالحفاظ على توازن هش عبر قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
غير أن خبراء ومحللين يرون أن هذا التوازن لم يكن قائمًا على شرعية اجتماعية أو سياسية راسخة، بل على تحالفات مصلحية مؤقتة سرعان ما تآكلت مع تغير الظروف.
وأكدوا أن انهيار «قسد» لم يكن مجرد خسارة عسكرية، بل كشف بوضوح عجز الوكيل المحلي عن الصمود دون غطاء أمريكي مباشر، وهو ما لم تكن واشنطن مستعدة لتوفيره.
ومع تراجع الدور الميداني لـ«قسد»، فقدت القوات الأمريكية شريكها الرئيسي على الأرض، وتحول وجودها من عنصر نفوذ وردع إلى عبء أمني وسياسي.
فالتنسيق مع القوات الحكومية السورية ظل خيارًا شبه مستحيل، سواء بسبب المخاطر الأمنية أو التعقيدات السياسية، في وقت بات فيه استمرار الانتشار العسكري الأمريكي يفتقر إلى وظيفة واضحة.
كما أشار التقرير إلى أن ملف معتقلي تنظيم «داعش»، الذي شكّل لفترة طويلة أحد أبرز المبررات لبقاء القوات الأمريكية في سوريا، بدأ يفقد أهميته مع نقل آلاف السجناء خارج مناطق سيطرة «قسد».
ومع تفكيك هذا الملف تدريجيًا، تآكل آخر مبرر عملي لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي، في ظل غياب بديل قادر على إدارة المشهد المعقد.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن النقاش الدائر داخل واشنطن حول الانسحاب لا يعني انتهاء التهديدات في سوريا، بقدر ما يعكس نهاية قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع هذه التهديدات عبر أدوات غير مباشرة.
فقد تحولت المعادلة التي سمحت سابقًا بالتأثير من دون تكلفة عالية إلى وضع معكوس، يتمثل في وجود عسكري بلا شريك محلي ونفوذ بلا آلية تنفيذ فعالة.
ويخلص التقرير إلى أن الولايات المتحدة فقدت تدريجيًا أدواتها في سوريا، لتجد نفسها أمام واقع لم تعد فيه القوة عن بُعد كافية لتحقيق أهدافها، في وقت لا يبدو فيه خيار الانسحاب خاليًا من التبعات، إذ يمثل لحظة مكثفة لأزمة أوسع تتعلق بإدارة النفوذ الأمريكي في مناطق الصراع حول العالم.
موضوعات متعلقة
ـ سوريا تدخل مرحلة حرجة.. لماذا انهار اتفاق دمشق وقسد؟
ـ "الشرع": لا خيار عسكريًا أو سياسيًا أو أمنيًا يخدم قوات سوريا الديمقراطية
ـ سوريا تشترط جدولًا زمنيًا للانسحاب الإسرائيلي قبل أي تقدم في المفاوضات