كشفت دراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعة "آلتو" في فنلندا أن الاعتماد المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها النماذج اللغوية مثل ChatGPT، يمنح المستخدمين شعورًا وهميًا بالثقة في قدراتهم العقلية، حتى لدى من يمتلكون معرفة متقدمة بالتقنيات الرقمية. وأوضحت الدراسة أن هذا الشعور الزائف يؤدي إلى المبالغة في تقدير الأداء المعرفي، رغم محدودية التحسن الفعلي.
تراجع تأثير دانينغ-كروجر التقليدي
وأشارت النتائج إلى مفارقة لافتة، إذ بدا أن "تأثير دانينغ-كروجر" – الذي يفترض أن الأشخاص الأقل كفاءة يميلون إلى المبالغة في تقييم قدراتهم – لم يعد ينطبق على مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي. وعلى العكس تمامًا، وجد الباحثون أن ارتفاع مستوى الوعي بالتكنولوجيا ترافق مع ثقة مفرطة في القدرات الذاتية، سواء لدى المستخدمين المتمرسين أو المبتدئين.
وقال البروفيسور روبن فيلش، المشرف على الدراسة، إن المشاركين "بالغوا بصورة جماعية" في تقدير مدى التحسن الذي ظنوا أنهم حققوه بمساعدة ChatGPT، وهو ما يكشف عن وهم في الإحساس بالكفاءة العقلية.
إزاحة معرفية وتراجع في التفكير النقدي
وحددت الدراسة ما وصفته بـ"الإزاحة المعرفية"، أي قيام المستخدمين بتحويل عملية التفكير بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي، والاعتماد عليه كبديل مباشر للقدرات العقلية الذاتية. وقد برز هذا الاتجاه خلال تجربة تناولت حلّ مسائل معقدة من اختبارات القبول في كليات الحقوق الأمريكية (LSAT).
وأظهرت التجربة أن غالبية المشاركين اكتفوا بطرح سؤال واحد فقط على ChatGPT عبر نسخ الأسئلة ولصقها مباشرة، ثم قبول الإجابات دون مراجعتها أو فحصها. وأدى هذا النمط السطحي من التفاعل إلى تدهور قدرتهم على تقييم أدائهم بدقة، وانحسار الميل إلى التفكير التأملي أو النقدي.
توصيات لتعزيز التفكير المستقل
ودعت الدراسة في ختامها إلى تصميم أدوات ذكاء اصطناعي تشجع المستخدمين على المشاركة الفعّالة في عملية التفكير، مثل مطالبتهم بشرح منطقهم وراء الإجابات قبل تلقي الحل النهائي. وترى الجامعة أن مثل هذه الآليات يمكن أن تحد من "الوهم المعرفي" وتحافظ على مهارات التفكير النقدي في عصر تتسارع فيه وتيرة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.