في خطوة لافتة تهدف إلى تلطيف الأجواء التجارية مع بكين، جمدت الولايات المتحدة القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا إلى الصين، بحسب ما كشفته صحيفة "فايننشال تايمز"، وذلك في محاولة لتهيئة الأجواء لنجاح لقاء محتمل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ خلال العام الجاري.
ووفقًا لمصادر مطلعة، من بينها ثمانية مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، طُلب من مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأمريكية، وهو الجهة المنوطة بضوابط التصدير، تجنب أي إجراءات صارمة جديدة ضد بكين، في ظل حساسية التوقيت السياسي والاقتصادي.
جولة ثالثة من المحادثات.. وترامب يتجنب التصعيد
وتتزامن هذه التطورات مع جولة ثالثة من المحادثات التجارية تُعقد اليوم الاثنين في العاصمة السويدية ستوكهولم، بعد اجتماعين سابقين في جنيف ولندن، بمشاركة وفود رفيعة من الجانبين.
ويبدو أن الرئيس ترامب يسعى إلى تجنب أي خطوات تصعيدية قد تهدد فرص عقد لقاء استراتيجي مع الرئيس الصيني، خاصة بعد التوترات التي أثيرت مؤخرًا بشأن صادرات الرقائق الإلكترونية.
معركة شرسة حول شريحة H20 من إنفيديا
من أبرز الملفات الخلافية التي فجرت الجدل مؤخرًا، قضية شريحة H20 التي طورتها شركة إنفيديا الأمريكية خصيصًا للسوق الصينية، بعد القيود السابقة التي فرضتها إدارة بايدن على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا مثل H100.
وكان ترامب على وشك حظر تصدير H20، لكنه تراجع عن القرار بعد ضغوط مباشرة من الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، في خطوة أثارت انتقادات حادة من شخصيات أمنية بارزة.
تحذيرات أمنية: "نُغذي قوة الجيش الصيني"
وفي رسالة تحذيرية، وجهها 20 خبيرًا أمنيًا ومسؤولًا سابقًا إلى وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك، أعربوا عن قلقهم من السماح بتصدير شريحة H20، واصفين القرار بأنه "خطأ استراتيجي يُهدد التفوق الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي".
وذكر الموقعون على الرسالة – ومنهم نائب مستشار الأمن القومي السابق مات بوتينغر، والمسؤول التكنولوجي السابق ديفيد فيث – أن الشريحة المتطورة "تُعد مسرّعًا رئيسيًا لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكري والمراقبة في الصين".
وحذروا من أنها تتفوق في وظائف "الاستنتاج" على H100، ما يجعلها أداة بالغة الخطورة في يد الجيش الصيني، خاصة في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل ومنصات مراقبة متقدمة.
إنفيديا ترد: الانتقادات مضللة
في المقابل، وصفت شركة إنفيديا هذه التحذيرات بأنها "مضللة ومتعارضة مع خطة ترامب الأخيرة لتوسيع صادرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية"، مشددة على أن حظر هذه الشريحة سيُحفّز الصين على تطوير بدائل محلية بوتيرة أسرع.
ما وراء الكواليس: صراع قيم ونفوذ تكنولوجي
من جهته، قال جيمس مولفينون، خبير الجيش الصيني وكبير مسؤولي الاستخبارات في شركة بامير للاستشارات، إن الصراع لا يتعلق بشريحة أو شركة فقط، بل يتعلق بـ"تحديد أي نظام سياسي وأي قيم سيقود مستقبل أقوى تقنية في العالم".
وتُظهر هذه التطورات أن الصراع التكنولوجي بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد ملف اقتصادي أو أمني، بل أصبح معركة على النفوذ العالمي وقيم الهيمنة الرقمية. وبينما تسعى إدارة ترامب لكسب نقاط سياسية عبر اتفاقات تجارية، يبدو أن الأمن القومي الأمريكي يرى أن الثمن قد يكون فادحًا إذا تُركت تقنيات الذكاء الاصطناعي تتسرب إلى خصم استراتيجي مثل الصين.