حوار- شيرين بكر
من بين ركام البيوت في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، خرج باسم أبو غبن مثقلًا بالجراح والذكريات، بعدما حصل على تحويلة طبية للعلاج في مصر من مرض السرطان الذي يُنهك جسده. ورغم أن الرحلة جاءت للنجاة بصحته، فإنها لم تُخفف من ألمه، فقد ترك أبناءه خلفه في غزة المنكوبة، يصارعون الجوع والخوف وسط القصف والحصار، بعد أن فقد زوجته تحت أنقاض منزله الذي دمره العدوان الإسرائيلي.
وفي حديثه لموقع "المصير"، يروي باسم تفاصيل الرحلة المؤلمة من غزة إلى القاهرة، ومعاناة الفقد، والقلق المستمر على أولاده وأحفاده الذين يتواصل معهم بصعوبة، في ظل انقطاع الاتصالات وتدهور الأوضاع المعيشية، حيث لا يجدون سوى القليل من العدس ليأكلوه، في وقت تُباع فيه شريحة البصل وفص الثوم بأسعار خيالية، وسط مجاعة تتفاقم يومًا بعد يوم.
رحلة قاسية.. واستقبال مميز في مصر
يقول باسم بصوت يملؤه الحزن: "غادرت غزة في 22 إبريل 2024، بعد حصولي على تحويلة طبية إلى مصر لعلاج السرطان، كانت الرحلة قاسية جدا، لكن ما إن وصلت حتى شعرت أنني بين أهلي".
وأضاف: الشعب المصري استقبلني بحفاوة، وخضعت لعملية، وأتابع العلاج الآن بين القاهرة ومحافظة سوهاج، الحمد لله صحتي تحسنت عن السابق، لكن قلبي لا يزال هناك، في غزة".
قلق لا يغيب
ورغم نجاته الجسدية، فإن روحه ما زالت معلقة هناك، وسط رعب القصف ومرارة الجوع، فيقول "أبو غبن": "أتواصل مع أولادي عبر الإنترنت، لكن أحيانا لا أستطيع، الشبكة عندهم ضعيفة، وساعات يضطروا يروحوا أماكن خطرة بس عشان يطمنوني، ولما بيغيبوا عني يومين بحس إن قلبي هيتوقف، بقول لنفسي: يمكن استشهدوا".
المجاعة تفتك بالناس
ويصف "أبو غبن" الوضع الإنساني في غزة بكلمات تنزف ألما ويقول: "مافيش لا طعام ولا ماء، الحياة هناك لا تحتمل. أولادي عايشين على العدس، مافيش غيره، ولو لقوا شوية مكرونة يبقى يومهم سعيد. الناس بتاكل وجبة واحدة في اليوم بالعافية... لو لاقوها يبقى كويس".
ويضيف: "بستقبل أخبارهم ودموعي على خدي، كل يوم بقول يمكن حد منهم مات، يمكن ماعادش هشوفهم تاني... قلبي بيتقطع عليهم".
فاجعة القصف
ويسترجع باسم اللحظة التي غيرت كل شيء في حياته: "أكتر مشهد مش قادر أنساه هو يوم القصف... كنا نايمين، وفجأة وقع البيت علينا، زوجتي كانت جنبي، استشهدت في لحظتها. أنا وأولادي خرجنا، لكن هي ماقدرتش تطلع".
شكر وحنين
ورغم كل ما مر به، يوجه أبو غبن كلمات امتنان لمصر وشعبها: "أنا في مصر حاسس إني وسط أهلي... الناس طيبين وماقصرش حد معانا، بس مهما يكون، الاشتياق لغزة بيكسر القلب، ومش قادر أبني حياة بعيد عن بلدي."
ويتابع: "أنا بعيش زي أي مواطن مصري، مش حاسس بأي غربة، يمكن بس المواصلات صعبة شوية، لكن الناس هنا غمروني بطيبتهم".
مناشدة من أجل ابنه
ويفتح باسم قلبه حين يتحدث عن ابنه "علي"، الذي يعيش معه في مصر منذ اندلاع الحرب، لكن لم يتمكن من استكمال تعليمه، ويوضح: "حاولنا نسجله في التعليم الأونلاين عن طريق السفارة، لكن ماعرفناش. ولما سألنا عن المدارس، قالوا لازم فلوس كتير، وأنا ماعنديش. نفسي حد يساعدنا عشان يكمل دراسته، ده حلمه وحقه".
أرقام تجويع صادمة
ويطلق أبو غبن صرخة استغاثة للعالم، يروي فيها بشاعة ما يعيشه أهله في غزة قائلا: "غزة بتموت جوعا. البصلة بتتباع بالشريحة، يعني الشريحة تقدر بـ150 جنيه، وحتى فص الثوم هناك بـ100 جنيه، وكيلو السكر بـ5000! الناس هناك مش لاقية تاكل، حياة مستحيل حد يتحملها. أرجوكم، ساعدونا، أنقذوا غزة".
نفسي أرجع بلدي
ويختم حديثه بكلمات تنزف حبا وأملا: "أنا مريض سرطان، وبتعالج هنا، بس أول ما المعبر يفتح، هرجع على غزة فورا. ده وطني ومش ممكن أسيبه. بشكر الشعب المصري والقيادة المصرية من قلبي، أنتم عملتم اللي تقدروا عليه ومشكورين جدا... بس غزة بتناديكم".