تزداد خريطة الصراع الأهلي في سوريا تعقيدًا، في ظل تصاعد الاشتباكات العنيفة التي اندلعت مؤخرًا في محافظة السويداء جنوب البلاد، بين الفصائل الدرزية ومجموعات عشائرية مسلحة، مما يُنذر بإعادة خلط أوراق المواجهات المؤجلة في مناطق أخرى، خصوصًا في شرق وشمال سوريا، حيث يسيطر الأكراد بدعم أمريكي.
وبحسب تقرير نشره موقع "المونتيور" الأمريكي، فإن المقاومة الشرسة التي أبداها الدروز في وجه محاولات الهيمنة الحكومية، قد تدفع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى التريث قبل تكرار سيناريو مشابه في المناطق ذات الغالبية العربية الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والتي تضم الأكراد كقوة رئيسية.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن ضراوة هجمات القبائل البدوية ضد الدروز يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار لقوات "قسد"، التي تحكم مناطق عربية منذ سنوات، مستندة في ذلك إلى دعم واشنطن، ورفض محلي لنظام بشار الأسد، الذي لا يزال حاضراً في الذهن الشعبي رغم رحيله.
لكن محللاً تركيًا، فضل عدم الكشف عن هويته، حذر من أن استغلال الأكراد المحتمل للدعم الإسرائيلي للدروز قد ينعكس سلبًا عليهم، قائلاً: "هناك الكثير من المظالم المتراكمة، وإذا شعر العرب بأن الأكراد يستغلون الموقف بانتهازية، فقد ينقلبون عليهم أيضًا".
تفكك السلطة.. وصراع الطوائف
وتعليقًا على المشهد المتوتر، رأت غونول تول، مديرة برنامج تركيا في معهد الشرق الأوسط، أن ما يحدث حاليًا "يظهر بوضوح عجز الرئيس الشرع عن تأمين البلاد أو فرض الاستقرار، رغم مرور أكثر من عقد على الحرب الأهلية".
وتابعت تول أن الشرخ في السيطرة بدأ يتسع منذ مارس الماضي، حين حاولت فلول مرتبطة بنظام الأسد السابق شن تمرد في مناطق اللاذقية وطرطوس ذات الغالبية العلوية، الأمر الذي فجّر موجة من أعمال العنف والقتل الانتقامي، أودت بحياة أكثر من ألف مدني، معظمهم من الطائفة العلوية، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي مدينة السويداء، وثق المرصد ارتكاب فظائع من قبل مختلف الأطراف، ما يعكس حجم الفوضى والانهيار الذي تعيشه الدولة السورية.
الغارات الإسرائيلية.. ودور خفي
من جانب آخر، لم تكن قبضة الرئيس الشرع على السلطة بمثل هذا الضعف من قبل، خاصة في ظل الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على دمشق، والتي تبررها تل أبيب بأنها تهدف لحماية الطائفة الدرزية في السويداء، إلى جانب تصاعد القتال بين الدروز والقبائل البدوية، وكذلك قوات النظام.
وشهد شهر أبريل الماضي تصاعدًا خطيرًا في وتيرة الاشتباكات بين قوات سنية والفصائل الدرزية في ضواحي دمشق، ما دفع إسرائيل إلى التدخل المباشر بذريعة الدفاع عن 150 ألف درزي يعيشون في أراضيها وفي الجولان المحتل.
لكن السفير السابق للاتحاد الأوروبي في سوريا وتركيا، مارك بيريني، اعتبر أن الأهداف الحقيقية لإسرائيل "غير معلنة"، مرجحًا أنها تسعى للسيطرة على ممر استراتيجي يمتد إلى العراق، تحسبًا لأي صراع مقبل مع إيران.
وفي تقييمه للموقف، أكد بيريني أن الرئيس السوري يواجه "مهمة شاقة"، حتى دون التدخل الإسرائيلي، مشددًا على ضرورة أن يستثمر الشرع الدعم الغربي الذي يحظى به، في وقتٍ تتطلع فيه القوى الدولية إلى استقرار هش في المنطقة.