بعد 12 يومًا من التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في خطوة وُصفت بأنها انتصار دبلوماسي مفاجئ، لكنها سرعان ما أثارت عاصفة من الجدل السياسي والدستوري داخل الولايات المتحدة، وفضحت عمق الانقسام في الكونجرس حول صلاحيات الرئيس وتفويض الحرب.
حرب بلا غزو.. واستعراض إرادات استراتيجية
اندلعت المواجهة بهجمات متبادلة، شملت استهداف منشآت نووية ومواقع عسكرية حساسة. أبرز المحطات تمثلت في ضربة أميركية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، ردت عليها طهران بقصف قاعدة العديد الجوية في قطر باستخدام صواريخ باليستية، في هجوم اعتُبر رمزيًا ومحدود الخسائر، لكنه شديد الدلالة.
العمليات لم تنزلق إلى اجتياح بري شامل، بل اتخذت شكل حرب سيبرانية وهجمات جوية دقيقة، كشفت عن تقنيات متطورة وتكتيك محسوب من الطرفين، في مشهد أقرب إلى اختبار قوة إقليمي واسع النطاق.
ترامب يعلن وقف النار: “قالا سلام”
من خلال منشور على منصته "تروث سوشيال"، أعلن ترمب أن الطرفين توصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشيدًا بـ"شجاعة" إسرائيل وإيران، ومبشرًا بـ"مستقبل مزدهر للمنطقة".
وبحسب مصادر في البيت الأبيض، جاءت الوساطة عبر سلسلة من الاتصالات المباشرة وغير المباشرة، تولّاها نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومبعوث السلام ستيف ويتكوف.
الاتفاق تضمن التزام إيران بوقف الهجمات مقابل إنهاء إسرائيل لعملياتها العسكرية. تل أبيب رأت في الاتفاق تتويجًا لإنجازاتها الأمنية، بينما لم تصدر طهران أي موقف صريح، مكتفية بصمت رسمي يفتح الباب للتكهنات حول نواياها الفعلية.
داخل أميركا: شرعية مشكوك فيها وغضب ديمقراطي
ما أن هدأ صوت المدافع، حتى ارتفع صوت السياسة في واشنطن. فقد وصف الديمقراطيون قرار ترامب بأنه تجاوز صارخ للدستور، لافتين إلى أن الرئيس لم يحصل على تفويض من الكونجرس لشن الحرب.
النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز دعت إلى محاسبة دستورية لترمب، في حين طالب آخرون بفتح تحقيق رسمي في أطر اتخاذ القرار العسكري.
على النقيض، احتفى الجمهوريون بالاتفاق، واعتبروه انتصارًا مزدوجًا عسكريًا ودبلوماسيًا. وذهب البعض إلى اقتراح ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، واصفينه بـ"مهندس الاستقرار في الشرق الأوسط".
ومع ذلك، برزت أصوات أكثر توازنًا داخل المعسكر الجمهوري، أبرزها النائب توماس ماسي، الذي عبر عن تأييده للتهدئة لكنه أشار إلى أن "الطريقة لم تحترم المسار الدستوري السليم".
اتفاق هش وتحالفات تعيد ترتيب أوراقها
الهدنة، رغم إعلانها، لا تزال هشة وغير مضمونة. فالغياب اللافت لأي إعلان رسمي من طهران، إلى جانب استمرار التحفظات داخل إسرائيل، يضع علامات استفهام حول مصير الاتفاق.
في الأثناء، لفت مراقبون إلى مؤشرات على إعادة تشكل التحالفات الإقليمية. فقد تحدثت تقارير عن تنسيق مسبق بين إيران وقطر لتقليل أثر قصف قاعدة العديد، في ما اعتُبر رسالة ضبط إيقاع تستهدف واشنطن أكثر من إسرائيل.
رغم توقف إطلاق النار، إلا أن جوهر الصراع لم يُحسم. فالاتفاق بدا وكأنه انتصار اتصالي لتسويق السلام أكثر من كونه حلًا مستدامًا. الحرب انتهت مؤقتًا، لكن الجدل الأميركي، وغموض الموقف الإيراني، وتبدلات التحالفات، كلها تشير إلى أن الجولة التالية ربما لم تُكتب بعد، بل يجري الإعداد لها في الكواليس.