في قلب كل مدينة كبرى في العالم — من نيويورك إلى برلين، ومن باريس إلى أمستردام — هناك قاسم مشترك بين البشر: الحاجة إلى مأوى.
السكن ليس مجرد أربعة جدران وسقف… إنه حق إنساني أساسي، يصون الكرامة، ويوفر الاستقرار، ويصنع الانتماء.
لكن في مصر، تحوّل السكن إلى كابوس. حلم باهظ الثمن، ووسيلة لاستنزاف الفقراء، بدلًا من أن يكون حقًا مضمونًا والأسوأ أنه يتم اختزال الأزمة في إشكالية الايجار القديم وهذا تسطيح لقضية كبرى هي قضية الحق في السكن ودور الدولة .
والسؤال المطروح:
كيف تتمكن الدول الرأسمالية الكبرى، رغم اعتمادها على اقتصاد السوق، من ضمان حد أدنى من العدالة السكنية؟ ولماذا عندنا السوق بلا ضوابط، والحق بلا حماية، والفوضى هي العنوان الأكبر؟
السكن حق دولي… وفي مصر بلا سند
وفقًا للمادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
“لكل شخص الحق في مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويشمل ذلك الغذاء والملبس والمسكن…”
إذن السكن ليس رفاهية، بل حقٌ أصيل. حتى في الولايات المتحدة، مهد الرأسمالية النيوليبرالية، لا يُترك السوق يعمل دون تدخل، بل تتدخل الدولة لحماية المواطنين من تحوّل السكن إلى أداة استغلال.
الولايات المتحدة: السوق لا يعني الاستعباد
برنامج “القسائم السكنية” (Section 8) هو أحد أدوات الحكومة لدعم الفئات ذات الدخل المنخفض.
تُغطّي الدولة جزءًا كبيرًا من الإيجار، مباشرة إلى المالك، بشرط أن يكون دخل الأسرة أقل من 50% من متوسط الدخل المحلي، وتُعطى الأولوية لمن هم دون 30%.
ولم يتوقف الأمر عند الدعم النقدي، بل وضعت مدن مثل نيويورك وسان فرانسيسكو قوانين صارمة لحماية المستأجرين (مثل rent control)، وتمنع الطرد التعسفي حتى في ظل الأزمات العقارية.
ألمانيا: دولة الرفاه والسكن المضمون
في ألمانيا، لا تترك الدولة السكن للعرض والطلب فقط، بل تموله وتبنيه وتنظمه.
برنامج “الإسكان الاجتماعي” (Sozialwohnungen) يعتمد على شهادة الأهلية للسكن (WBS)، وهي وثيقة تمنح لمن لا يتجاوز دخله حدًا معينًا — مثل 17,400 يورو سنويا للفرد . و في هامبورج — تتيح له الحصول على شقة بإيجار مدعوم.
الدولة تبني، وتضع سقفًا للإيجار، وتمنع الطرد، وتعتبر السكن عنصرًا من عناصر “الأمان الاجتماعي” وليس مجرد سلعة.
هولندا والنرويج: من اللاجئ إلى الشاب العامل… الجميع له حق السكن
في هولندا، تخصص الدولة نسبة كبيرة من الوحدات للإسكان الاجتماعي، وتفرض سقف دخل لا يتجاوز 47,699 يورو سنويا للفرد.
تُفرض ضرائب على الشقق المغلقة لمواجهة المضاربة، ويُمنع الطرد خارج ضوابط قضائية صارمة.
أما النرويج، فتوفّر البلديات مساكن مؤقتة ودائمة للشباب والمهاجرين والعائلات، كجزء من شبكة الرعاية الاجتماعية.
وفي المقابل… مصر: السوق ينهش، والدولة تنحاز للكبار
في مصر، لا وجود فعلي لبرامج إسكان موجهة للفقراء والطبقة الوسطى بالمعايير الدولية.
الدولة انسحبت تدريجيًا من دورها الاجتماعي، وتحولت إلى “مطور عقاري”، تُشيّد مشروعات بمليارات في “العاصمة الإدارية”، بينما تتآكل الأحياء القديمة وتزداد العشوائيات.
الأسعار فلكية مقارنة بمستويات الأجور.
في “الإسكان الاجتماعي” المزعوم، تجاوزت أسعار الوحدات 800 ألف جنيه، بينما دخل الأسرة المستهدفة لا يتجاوز 7 آلاف جنيه شهريًا — فكيف إذًا يُفترض أن تشتري؟
السوق العقاري تحكمه الفوضى والمضاربة، والفساد سمح ببناء عشوائي ثم قرارات بالهدم حينما تقرر الدولة إنشاء طريق أو كوبري.
و المستأجرون معرضون للطرد الفوري إذا أتى “زبون أغنى”، لا حماية، لا دعم، لا تنظيم.
قوانين الإيجار القديمة والجديدة تُستخدم كأدوات تهديد لا كآليات توازن.
والأسوأ على الإطلاق أن الحكومة تلقي بكرة اللهب بين الملاك والمستأجرين وتغسل يدها من فكرة الطرد وفي نفس الوقت تمنح من خلال مقترحاتها الحق في تحرير العقود بعد مرحلة انتقالية مدتها ٥ سنوات يحق للملاك في حالة عدم الاتفاق استرداد الوحدة اي دور تلعبه الدولة في هذه الأزمة ؟! سوى أنها تتنصل من مسئوليتها.
الفرق ليس في “السوق”… بل في الدولة
الرأسمالية لا تعني الفوضى. والاقتصاد الحر لا يعني اقتصادًا مفترسًا.
الفرق بين “اقتصاد السوق المنظم” و”اقتصاد السوق المتوحش” هو وجود دولة تنظم وتحمي، لا تتخلى وتبيع.
تجارب أمريكا وألمانيا وهولندا تؤكد أن “العدالة السكنية” ممكنة، حتى في نظم السوق، متى توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاجتماعية، والتدخل الحكومي.
في مصر، استمرار هذا الانفلات لن يؤدي إلا إلى الانفجار.
فالذي لا يجد بيتًا، لا يشعر بوطن.
وأكرر .. السكن ليس رفاهية، ولا يجب أن يكون بابًا للاستغلال أو أداة للسيطرة. التجارب العالمية تؤكد أن حتى في قلب الرأسمالية، ممكن يتحقق الحد الأدنى من العدالة، لو الدولة قررت أن تكون في صف المواطن وليس في صف المضارب. أما في مصر، فالسكوت عن هذا الانفلات سيؤدي إلى الانفجار لأن الذي ليس له بيت، ليس له وطن.