advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

سامح لاشين يكتب : زعامة ناصر بين الصمود والانكسار… وسقوط القداسة

محمد يوسف

الأربعاء, 7 مايو, 2025

07:04 م

كان ناصر أكثر من مجرد رئيس… كان تجسيدًا لفكرة، وصورة لبطل نُسج حوله المجد والغموض والقداسة. لكن التاريخ لا يركع طويلًا أمام الأصنام، والقداسة لا تصمد أمام العيون المفتوحة على الحقيقة. هذه ليست حكاية عن نكسة، بل عن سقوط قداسة… عن زعيم ظن أنه فوق الحساب، حتى جاءت لحظة الهتاف ضده. من الحلم إلى الصدمة، ومن الهالة إلى العزلة… هنا تبدأ الحكاية.

في التاريخ مدارس عديدة تحاول تفسير دور الفرد في صنع الأحداث. المدرسة القديمة، من أرسطو إلى ميكافيلي، ترى أن الفرد ليس مجرد عنصر في المعادلة، بل هو المعادلة ذاتها. فالحركة التاريخية – وفق هذا التصور – ترتكز على “رجل استثنائي وجماهير غير عاقلة تنقاد خلفه”.

وعلى النقيض، ثمة مدرسة أخرى تعتبر الرجل التاريخي مجرد نتاج لمصادفات عشوائية، إذ ترى أن التاريخ كله سلسلة المصادفات أما المدرسة الحديثة، فتؤكد أن دور الفرد يبرز فقط في المجتمعات المتخلفة، حيث لا مؤسسات ولا نظم، بينما تغيب أهمية الفرد في المجتمعات المتقدمة التي تنظمها دساتير وقوانين ومؤسسات مستقرة.

وبين هذه الرؤى، يؤسفني أن أقول إن واقعنا لا يزال أسير المدرسة الأولى. نحن في مجتمعات لا تزال تؤمن بالبطل المنقذ، تترقبه كأنه معجزة، وتعقد عليه كل آمالها. الحلم الشعبي يختزل في رجل، والمصير كله معلق بقراراته. يموت القائد، فتتوقف الحركة، ويغيب العقل الجمعي، لأننا لا نرى الخلاص إلا عبر البطل، لا عبر الشعب.

وقد جسدت أعمال نجيب محفوظ هذه الحالة بعمق عندما ينتظر الحرافيش من ينقذهم ،و في أولاد حارتنا، حيث تتعدد صور المنقذ، ويُصوَّر النبوت كرمز للقوة والسلطة الغاشمة التي يركع أمامها الجميع في فضح حقيقة المجتمع المنسحق أمام القوة . فيقول   محفوظ:
“ومن العجب أن أهل حارتنا يضحكون! علامَ يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر أيًّا كان، ويهللون للقوي أيًّا كان، ويسجدون أمام النبابيت، يدارون بذلك الرعب الكامن في أعماقهم”غموس اللقمة في حاراتنا الهوان . لا يدري أحد متى يجيئ دوره ليهوي النبوت على هامته" .

ثم جاء جمال عبد الناصر، الابن البار لنظرية البطل والمنقذ. ظهر كالفارس المنتظر الذي سيحرر الفقراء من قبضة الملك والاحتلال، ويرفع راية القومية من المحيط إلى الخليج. تحوّل إلى أسطورة، وهتف الناس باسمه من المغرب إلى بغداد، لكنه لم يكن يعلم – أو ربما علم متأخرًا – أن القداسة لا تصمد أمام الهزائم ، وأن التاريخ لا يمنح القداسة مجانا ولا يحفظها طويلا.

جاءت هزيمة 1967 كزلزال، ليست فقط نكسة عسكرية، بل زلزال هز صورة الزعيم نفسه وتكسرت قداسته . وحاولت الأقلام الموالية، بقيادة الكاهن الأعظم محمد حسنين هيكل، تلطيف الكارثة بتسمية “النكسة” لا “الهزيمة”، وكأن اللغو يغيّر الواقع. لكن مفعول السحر الإعلامي بدأ يتراجع، وخرجت أصوات تتحدث عن الاستبداد، والمعتقلات، وسوء الإدارة، وعن طبقة حاكمة لم تنتج الاشتراكية التي بُشّر بها، بل أنتجت رأسمالية دولة لم تُحسن الاقتصاد ولا العدالة.

حتى قبل الهزيمة، كان الشعراء يستشعرون الانهيار القادم. أمل دنقل في “أغنية للاتحاد الاشتراكي” كتب:
“نحن صغار في مدرسة الكلمة، غايتنا أن نتعلم حرف هجاء. فلتأمر أن تُقطع ألسنة الضوضاء حتى نستمع إلى الحكمة”.
أما عبد الرحمن الشرقاوي، ففي مسرحية الفتى مهران، رأى الهزيمة قادمة من بعيد.

ثم جاءت لحظة الحقيقة في 1968، حين خرجت أول مظاهرات طلابية تهتف ضد الزعيم نفسه. اهتزت صورة ناصر، لا من الخوف – فهو كان يحكم قبضته على الدولة – بل من انهيار القداسة. خرجت الهتافات مدوية:
“لا صدقي ولا الغول… عبد الناصر هو المسؤول!”
“هيكل يا كدّاب… بطل كذب يا نصّاب!”
“تسعة يونيو أيّدناك… والنهارده عارضناك!”

لكن ناصر لم يكن ليسلّم بسهولة. واجه الغضب الشعبي بهجوم مضاد على ما سمّاها “قوى الرجعية”، واتهمها بتحريك العمال والطلبة. ثم أصدر بيان 30 مارس كمُسكّن سياسي، يعيد به ضبط المشهد دون أن يغيّر في جوهر الحكم شيئًا. لكن التحديات كانت أكبر من الخطب.

السماء مفتوحة أمام طيران العدو، والعمق المصري لم يعد آمنًا. فاضطر ناصر إلى طلب العون السوفيتي لبناء حائط الصواريخ، ولهذا السبب قبِل عبد الناصر بمبادرة روجرز عام 1969، وبدأت السياسة تأخذ مسارًا جديدًا.

وهنا يُطرح السؤال:
هل تغيّرت سياسة ناصر بعد الهزيمة؟
الإجابة: نعم، تغيّرت.
فقد قبِل عبد الناصر قرار مجلس الأمن 242، وكان يرفض  في السابق ما هو افضل منه حينما اتهم الحبيب بورقيبة رئيس تونس  بالخيانة و شن عليه حملة ضارية في عام ١٩٦٥ عندما  طرح مبادرة ، إنهاء حالة الحرب والاعتراف بالاحتلال ودولته مقابل تنازلها عن بعض الأراضي طبقا لتقسيم الأمم المتحدة سنة ١٩٤٧ . فقبل الهزيمة، رفض ناصر أية صيغة اعتراف ضمني بالاحتلال، لكنه بعد النكسة قبل ما هو أقل مما رفضه سابقًا. ومع ذلك، لم يجد استجابة لا من أمريكا ولا من الاحتلال.

بدأ الخطاب يتراجع، من تحرير فلسطين إلى إزالة آثار العدوان، ومن القومية إلى البقاء. وأغلق “صوت فلسطين”، البرنامج الإذاعي الثوري الذي كان يبث من إذاعة صوت العرب ، تم إغلاقه بعد قبول مبادرة روجرز وتخوين الفلسطينين لناصر . وعندما التقى ناصر بياسر عرفات، قال له إن حرب الاستنزاف في ظل تفوق جوي إسرائيلي ليست إلا استنزافًا لنا أيضًا.

والأمر لا يحتاج لتسريبات وفيديوهات لم يكن هذا غريبًا على من قرأ التاريخ… لكنّ ما كان غريبًا هو أن تتحول الحقائق إلى محرمات، وأن تُرفَض القراءة العقلانية لأنها تهدد قداسة الزعيم.

الحكاية إذًا ليست عن تمجيد أو تشويه، بل عن تاريخ لم يُغلق بعد.
فالهزيمة لم تكن لحظة عابرة أو ماضي إنتهى لأن أثارها مازالت قائمة ، ولا انتصار 1973 محا كل آثارها.
المشكلة  الحقيقية ليست أن ناصر لا يزال يؤرق خصومه وأنه مازال البطل رغم طوال غيابه - وهي نظرة من يمجد الفرد- ، بل أننا لا نزال نعيش في دولة يوليو، بنسخ متعددة، تتصارع دون تغيير حقيقي نسخة تنقلب على نسخة ، أو نسخة تستعين بناصر لتبرر مواقفها .

أما المأساة الكبرى التي نعيشها ، فهي أننا كشعب ما زلنا ننتظر “عاشور الناجي” البطل المنقذ ونحيطه بالقداسة، لنكتشف دائمًا أنه ليس إلا “عتريس”…
في شيء من الخوف.