محمد عبد الوهاب
مرت أربعة وثلاثون سنة على رحيل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وما زال صوته وألحانه تعيش بيننا، تروي الوجدان وتوقظ الحنين في قلوب عشاق الطرب الأصيل.
لم يكن عبد الوهاب مجرد ملحن ومطرب، بل كان مدرسة فنية متكاملة، تجاوزت حدود الزمان والمكان، وامتزجت فيها الأصالة بالتجديد، والشرق بالغرب، والمقام الشرقي بالأوركسترا العالمية.
صوت لم يكن ككل الأصوات.. وألحان لا تشيخ
ولد محمد عبد الوهاب في 13 مارس 1902، وظل منذ صباه مولعًا بالغناء والموسيقى، فكان يحفظ الموشحات ويتتلمذ على يد عمالقة عصره، لكنه لم يرضَ بأن يكون مجرد صوت جديد في زمن العمالقة، بل سعى لأن يكون مختلفًا، متجددًا، ومجددًا.
تغنى عبد الوهاب بكلمات كبار الشعراء من أمير الشعراء أحمد شوقي إلى نزار قباني، مرورًا بإبراهيم ناجي وصالح جودت، فصنع من قصائدهم أعمدة للغناء العربي الحديث.
من "كليوباترا" إلى "الجندول"، ومن "هان الود" إلى "بفكر في اللي ناسينى"، كان عبد الوهاب يطوّع النغمة لتصبح سفيرًا للحس العربي، محملًا بالشجن والفرح والحكمة.
ملحن العباقرة.. وصاحب البصمة الذهبية
وإن كان غناؤه قد أدهش جيله، فإن ألحانه كانت علامات فارقة في تاريخ الطرب العربي. لحن لأم كلثوم واحدة من أعظم أغنياتها "أنت عمري"، وكانت المصالحة الذهبية التي جمعت هرمين في عمل واحد.
كما لحن لعبد الحليم حافظ "أهواك" و"فوق الشوك"، ولوردة الجزائرية "في يوم وليلة"، ولفيروز "سهار بعد سهار"، وكانت له بصمة مميزة حتى في الأناشيد الوطنية، مثل "وطني الأكبر" و"الله يا بلادنا الله".
الرحيل الجسدي.. والبقاء في الذاكرة
في 4 مايو عام 1991، أسدل الستار على حياة عبد الوهاب، لكن صوته ظل يتردد في أروقة الذاكرة، وفي تفاصيل وجدان شعوب عربية نشأت على لحنه، وتربّت على نبرة صوته الهادئ العميق.
عبد الوهاب لم يكن فقط "موسيقار الأجيال"، بل كان صوتًا لحضارة، وملحنًا لنهضة، وأحد أهم الذين كتبوا تاريخ الفن الحديث بمفاتيح النغم.