حين تُفتح الحقيبة، تُفتح معها صفحات من التاريخ لا تُنسى.
كانت “حقيبة بن جوريون” محمّلة بوثيقة، لكنّها في الحقيقة كانت تحمل مشروعًا. مشروع لا يعترف بخطوط خريطة ولا يقف عند حدود قرار. من تلك الحقيبة انطلقت فكرة، ومن الفكرة وُلد كيان… تمدّد في كل اتجاه، بينما تراجع خصومه إلى الخلف، متثاقلين بغياب الرؤية، وتفكك الإرادة، وانعدام المشروع.
هذا ليس تأريخًا لما حدث فقط، بل تفسير لما يستمر في الحدوث، حتى الآن.
في عام 1941، وبينما كان ديفيد بن جوريون يغادر لندن متوجهًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عثرت السلطات البريطانية في حقيبته على وثيقة بعنوان: “ملخص السياسة الصهيونية”. لم تكن الوثيقة عادية، بل حملت جوهر المشروع الصهيوني كما رآه أحد أهم مؤسسيه.
كتب بن جوريون في الوثيقة:
“أي قرار بخصوص التقسيم سيكون خطأ لا يمكن إصلاحه، ويجب انتزاع الدولة من هذا العرض، ثم توسيعها حتى نهر الأردن على الأقل، وإلى شرق الأردن إن أمكن.”
وفي رسالة إلى ابنه قال:
“السؤال الحاسم هو: هل سيؤدي إنشاء الدولة اليهودية في جزء من فلسطين فقط إلى تسريع تحويل البلد إلى بلد يهودي أم تأخيره؟ أنا أفترض أن إقامة دولة على جزء من الأرض ليست نهاية، بل بداية.”
كان يرى أن حصولهم على الدولة سيزيد من قدرتهم على التمدد، لا أن يوقفهم.
وفي العام 1948، وقف كيرمت روزفلت، حفيد الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، أمام الكلية الحربية الوطنية في واشنطن، قائلاً:
“لا يدرك الأمريكيون مدى رفض الصهاينة لفكرة التقسيم كحل نهائي، فهم لا يكتفون بفلسطين كلها، بل يسعون إلى شرق الأردن، وجزء من سوريا ولبنان، وأجزاء من العراق ومصر أيضًا.”
كل هذه الشهادات، وغيرها كثير، تؤكد أن التوسع لم يكن خيارًا طارئًا أو نتيجة حرب فقط، بل هدفًا استراتيجيًا واضحًا منذ البداية.
إنه جزء من سردية لا تنفصل عن الحاضر، بل تُفسّره. وربما لا نبالغ إذا قلنا إنها تكشف ملامح المستقبل أيضًا.
وجاء بنيامين نتنياهو ليسير على خطى آبائه المؤسسين، حاملاً إرث الأحلام التوسعية التي بدأت مع الحركة الصهيونية ولم تتوقف لحظة.
لا يُهادن ولا يتراجع، بل يواصل تنفيذ الخطة بلا هوادة، مرتكبًا جرائم جديدة تُضاف إلى سجل طويل من المذابح التي ارتُكبت باسم “دولة لم تكتمل بعد”، وفق ما ترويه سردياتهم ووعودهم التوراتية.
في كتابه “مكان تحت الشمس”، لم يُخفِ نتنياهو ملامح المشروع، بل كشف عنها بوضوح:
يرى أن العالم العربي ليس كيانًا موحدًا، بل فسيفساء من كيانات يمكن تقسيمها إلى “أصدقاء” و”أعداء”.
وقد وقف أكثر من مرة رافعًا خرائط جديدة، متعهدًا بتغييرها، ومستخفًا بأي معارضة، لأن اللحظة الدولية والعجز العربي - في نظره - يمنحانه الحق في رسم المنطقة من جديد.
يكشف نتنياهو في الكتاب أن التوسع الإسرائيلي ليس مجرد رد فعل عسكري، بل مشروع فكري واستراتيجي طويل الأمد.
يقول: “العرب يتعاملون مع الصراع بمنطق عاطفي ومشتت، بينما بنينا نحن خطتنا على أساس الواقعية والحق التاريخي.”
هذا “الحق” كما يراه، لا يعترف بوجود شعب فلسطيني، ويصوّر الاستيطان لا كاحتلال، بل كـ”عودة” إلى أرض غادرها اليهود مؤقتًا.
وبالتالي، يصبح التوسع “دفاعًا عن النفس”، لا عدوانًا.
يضيف نتنياهو أن إسرائيل لم تكن لتنتصر لولا الفراغ العربي:
“بينما كان قادتنا يرسمون الخطط، كان قادة العرب يتصارعون حول الشعارات.”
ويرى أن إسرائيل ليست مجرد دولة، بل “قاعدة متقدمة للحضارة الغربية في منطقة معادية”، مما يمنحها شرعية إضافية.
وبناء على ذلك، لا يجب أن تُفرض الحدود على إسرائيل، بل تُرسم وفق احتياجاتها الأمنية، وبمرونة تتغير كلما ضعف الطرف الآخر.
أُعلنت دولة إسرائيل عام 1948، بينما كانت معظم الدول العربية لا تزال تخطو نحو الاستقلال، ولم تكتمل فيها بعد فكرة الدولة القومية.
ورغم دخول سبعة جيوش عربية، خرجت إسرائيل منتصرة، مُدشنة لصراع طويل عنوانه: غياب المشروع العربي.
في 1956، وقع العدوان الثلاثي، وتوسعت إسرائيل سياسيًا.
وفي 1967، تحقق أكبر توسع جغرافي، نتيجة مباشرة لخطايا خطاب قومي مرتفع الصوت فارغ المحتوى، بينما كانت الأنظمة العربية منشغلة بصراع بين معسكر “محافظ” تقوده السعودية، و”تقدمي” تقوده مصر.
ضاعت البوصلة، واشتعلت الحناجر، لكن من دون مشروع حقيقي، ولا إرادة موحدة.
وكلا المعسكرين كان ديكتاتوريًا قمعيًا على طريقته، والنتيجة: تمدد إسرائيلي لا يجد من يوقفه.
لم يكن انتصار أكتوبر 1973 سوى لحظة مؤقتة.
أوقفت أمريكا النصر في منتصف الطريق، خشية هزيمة مشروعها.
أما الساحة العربية، فانشغلت بصراعات أكبر، خاصة بعد أن حاول السادات توظيف النصر سياسيًا من دون توافق عربي، وكأن مصر تحاول الهرب من انهيار جماعي يهدد الأرض لا النظام فقط.
في غياب المشروع العربي، تواصل التمدد الإسرائيلي بلا مقاومة استراتيجية.
اجتاحت إسرائيل لبنان، ووقف شارون على أبواب بيروت، وارتكبت المجازر.
في المقابل، ظل العرب مكانهم، حتى جاءت نكسة الغزو العراقي للكويت، وانقسمت الأمة إلى معسكرين، بينما كانت انتفاضة أطفال الحجارة تزلزل الكيان الصهيوني.
حتى مفاوضات أوسلو، التي رُفعت فيها شعارات الدولة الفلسطينية، لم تكن سوى واجهة بلا مشروع حقيقي.
قبِلت السلطة الفلسطينية بإسرائيل، لكنها لم تحسم شكل الدولة، ولا هويتها، ولا أدوات بنائها.
فتوسعت إسرائيل استيطانيًا، وسُجن الفلسطينيون بين قطاعين متنازعين، وغرقت الساحة في انقسامات واتهامات بالخيانة والفساد، فتلاشت القضية.
واليوم… يتكرر المشهد.
في قمة مارس الأخيرة، وفي سياسات الإمارات والسعودية وقطر، يظهر الفراغ العربي جليًا.
اتفاقيات “إبراهام” تم توقيعها خارج إطار النظام الإقليمي العربي، ولم تعُد القاهرة أو دمشق أو بغداد حاضرة في المعادلة.
فلا عجب أن تستمر إسرائيل في التمدد.
ليس لأنها الأقوى، بل لأننا الأضعف.
ليس لأنها الأكثر ذكاءً، بل لأننا بلا مشروع.
لم تكن إسرائيل بحاجة إلى أن تكون الأقوى، بل فقط أن تكون الوحيدة التي تمتلك مشروعًا.
وفي غياب المشروع العربي، تحولت كل حدود إلى خطوط رمل، وكل خريطة إلى مسودة مؤقتة، وكل هزيمة إلى قدر.
وما لم يبدأ المشروع من داخلنا، سيظل الآخر يرسم حاضرنا… ومستقبلنا.