في خطوة قد تشكل نقطة تحول في المشهد السياسي الفلسطيني، وافقت حركة حماس على تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي، وهي لجنة محايدة تضم شخصيات وطنية مستقلة، لإدارة شؤون قطاع غزة مؤقتًا. هذه الموافقة جاءت خلال لقاء وفد حماس برئاسة محمد درويش مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد في القاهرة، حيث ناقش الطرفان تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى مع إسرائيل.
هذا التطور يطرح تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت هذه الخطوة ستعبد الطريق نحو بدء مفاوضات المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى، وما إذا كانت ستساهم في إبعاد شبح الحرب عن غزة، خاصة بعد تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستئناف العمليات العسكرية في القطاع عقب التهدئة التي فرضتها صفقة التبادل الأخيرة، والتي لعبت مصر وقطر والولايات المتحدة دورًا أساسيًا في إنجازها.
هل تقبل إسرائيل باللجنة المحايدة؟
رغم موافقة حماس على تشكيل اللجنة، إلا أن إسرائيل لم تصدر بعد موقفًا واضحًا تجاه هذا الترتيب الجديد. ومع ذلك، أعلنت عن استعدادها لإرسال وفد إلى الدوحة لبحث المرحلة الثانية من المفاوضات، بقيادة منسق شؤون الرهائن والمفقودين غال هيرش ومسؤول رفيع في جهاز الشاباك، إضافة إلى المستشار السياسي لنتنياهو عوفير فالك.
هذه التحركات تعكس أن هناك توافقًا مبدئيًا على استئناف المحادثات، لكن السؤال الأهم: هل تقبل إسرائيل بوجود إدارة محايدة في غزة، أم أنها ستعتبرها انتصارًا لحماس؟
هل يعني ذلك خروج حماس من المشهد الفلسطيني؟
من أكثر الأسئلة المطروحة حاليًا هو ما إذا كانت موافقة حماس على هذه اللجنة تعني انسحابها الجزئي أو المؤقت من المشهد الفلسطيني، خاصة في ظل الضغوط الإقليمية والدولية عليها. فالموافقة على لجنة مستقلة قد يُنظر إليها على أنها خطوة نحو فصل الإدارة المدنية عن الجناح العسكري للحركة، وهو ما قد يمهد لاحقًا لإعادة هيكلة الحكم في القطاع.
ومع ذلك، فإن حماس أكدت في بيانها أنها لن تتنازل عن دورها، لكنها وافقت على هذه اللجنة كجزء من "ترتيب البيت الفلسطيني" تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية. هذا يطرح بدوره تساؤلًا آخر: هل سيوافق الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) على إجراء الانتخابات في هذه المرحلة؟
موقف السلطة الفلسطينية.. انتخابات أم تمديد للأمر الواقع؟
حتى الآن، لم يصدر موقف رسمي من السلطة الفلسطينية حول هذه التطورات، لكن من المعروف أن الرئيس محمود عباس يرفض أي ترتيبات سياسية لا تمر عبر منظمة التحرير الفلسطينية. وفي ظل موافقة حماس على لجنة الإسناد، سيكون من الصعب على السلطة الفلسطينية تجاهل هذا التغيير، خاصة أن العديد من القوى الدولية والإقليمية تضغط نحو تجديد الشرعية السياسية من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية.
لكن هل سيرضى عباس بمثل هذا السيناريو، وهو الذي يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية بعد تآكل شعبيته وتزايد المطالب بتنحيه؟ وهل ستكون لجنة الإسناد مقدمة لانتخابات حقيقية أم مجرد وسيلة لاحتواء التوترات مؤقتًا؟
هل تبعد هذه الخطوة شبح الحرب عن غزة؟
على الرغم من هذه الترتيبات، فإن الوضع في غزة لا يزال هشًا، إذ أن أي تصعيد ميداني قد يُعيد الأمور إلى نقطة الصفر. فنتنياهو، الذي هدد مرارًا بالعودة للحرب، يسعى لتثبيت صورة "المنتصر" أمام جمهوره، خاصة في ظل الأزمات السياسية الداخلية التي يواجهها.
في المقابل، فإن حماس تدرك أن أي حرب جديدة ستُضاعف من معاناة سكان غزة الذين يعانون من حصار خانق وأزمة إنسانية متفاقمة. لذا، فإن خيار التهدئة يبدو الخيار الأكثر واقعية في الوقت الراهن، خاصة أن المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى تتقدم ببطء ولكن بثبات.
هل نشهد تحولًا سياسيًا في غزة؟
إذا استمرت لجنة الإسناد في أداء دورها وتمكنت من إدارة شؤون القطاع بشكل فعال، فقد تكون هذه بداية لمرحلة جديدة في المشهد الفلسطيني. لكن يبقى السؤال الأكبر: هل هي خطوة نحو استقرار غزة، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، لكنها بلا شك تحمل في طياتها ملامح تحول سياسي قد يعيد رسم خريطة السلطة في غزة وفلسطين ككل.