بعد أكثر من 17 عامًا من الحكم في قطاع غزة، تبدو حركة حماس على أعتاب قرار استراتيجي قد يغيّر المشهد الفلسطيني كليًا، حيث أكدت مصادر مختلفة استعداد الحركة لتسليم السلطة في غزة إلى السلطة الفلسطينية أو إلى لجنة إسناد تضم شخصيات مستقلة، تحت ضغوط عربية وإقليمية متزايدة.
فما هي السيناريوهات المطروحة لمستقبل الحركة؟ وما البدائل التي قد تلجأ إليها في حال تخليها عن الحكم في القطاع؟
ضغط عربي وتغيّرات إقليمية
تشير مصادر مطلعة إلى أن القاهرة مارست ضغوطًا كبيرة على وفد حماس خلال زيارته الأخيرة، لإقناعها بقبول تسليم إدارة القطاع كبديل عن الخطة الأميركية – الإسرائيلية التي تروّج لتهجير سكان غزة إلى مصر أو الأردن. وقد أبدت الحركة موافقتها المشروطة، حيث اشترطت إعادة استيعاب موظفيها في الإدارة الجديدة أو إحالتهم إلى التقاعد مع ضمان رواتبهم.
في الوقت نفسه، تزامنت هذه التطورات مع المباحثات الجارية بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تشمل تبادل المزيد من الأسرى الفلسطينيين مقابل رهائن إسرائيليين، وهو ما يُعتبر عاملًا إضافيًا في الضغط على الحركة لإعادة ترتيب أوراقها السياسية.
السيناريوهات المطروحة لمستقبل حماس
1- الانخراط في العمل السياسي تحت مظلة السلطة الفلسطينية
إذا سلّمت حماس قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية، فقد تتجه نحو المشاركة السياسية كحزب سياسي داخل النظام الفلسطيني، على غرار ما فعلته بعد فوزها في انتخابات 2006. غير أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، أبرزها موقف إسرائيل والولايات المتحدة، اللتين تشترطان استبعاد حماس من أي حكومة فلسطينية مقبلة.
2- الاحتفاظ بالقوة العسكرية والتحول إلى نموذج حزب الله
قد تسعى حماس إلى اتباع نهج "حزب الله" في لبنان، عبر الانسحاب من الإدارة المدنية للقطاع مع الاحتفاظ بجناحها العسكري، كتائب القسام، كورقة ضغط سياسية وأمنية. إلا أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى صدام مستقبلي مع السلطة الفلسطينية، التي لن تقبل بوجود قوة مسلحة مستقلة داخل أراضيها.
3- إعادة التموضع في الخارج وتعزيز حضورها الإقليمي
في حال خرجت حماس من الحكم، قد تتجه بعض قياداتها إلى توسيع حضورها الخارجي، كما فعلت من قبل حين انتقلت قياداتها إلى قطر وتركيا. ومع ذلك، فإن الابتعاد عن غزة قد يضعف نفوذ الحركة ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الدولية، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية ضدها.
4- انفجار داخلي ورفض التسليم
على الرغم من التصريحات الإيجابية، هناك احتمال لظهور انقسامات داخل حماس بين تيار يؤيد التسليم وآخر يرفضه، خاصة مع وجود مجموعات عسكرية متشددة داخل الحركة قد ترى أن الخروج من السلطة يمثل تنازلًا استراتيجيًا أمام الضغوط الإقليمية.
هل تتجه غزة إلى سيناريو إداري جديد؟
مع اقتراب الحسم، يبرز خيار تشكيل لجنة مستقلة لإدارة القطاع كحل وسط، وهو ما تحاول القاهرة والجامعة العربية الدفع باتجاهه. ووفقًا لمسؤولين عرب، فإن هذا السيناريو يحظى بموافقة مبدئية من كل من فتح وحماس، لكن يبقى السؤال: من سيضمن تنفيذ هذا الاتفاق دون وقوع فراغ سياسي وأمني؟
مستقبل غزة بين الحلول الممكنة والمخاطر المحتملة
تبدو حركة حماس أمام منعطف تاريخي؛ فإما أن تختار تسليم السلطة طوعًا وفق رؤية مدروسة تضمن بقاءها كطرف سياسي قوي، أو أن تواجه سيناريوهات غير محسوبة قد تضعفها على المستويين المحلي والإقليمي. وبينما يتحدث البعض عن حل سلمي مقبول دوليًا، لا يزال آخرون يخشون أن تكون هذه التحركات مجرد تمهيد لمخطط أكبر يهدف إلى إضعاف المقاومة وتفكيك مشروعها السياسي والعسكري.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد وجهة حماس، فهل ستتمكن من المناورة بذكاء للحفاظ على دورها، أم أن الضغوط الإقليمية والدولية ستدفعها إلى مسار لا رجعة فيه؟