كتب :محمد أبوزيد
في ظل تصاعد المخاوف من مخطط أمريكي إسرائيلي يهدف إلى تغيير خارطة غزة ديموغرافياً وسياسياً، برزت لجنة الإسناد المجتمعي كمخرج سياسي فرضته القاهرة لإدارة القطاع وتفادي تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي كانت تسعى إلى تحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" عبر تهجير سكانها وإقامة مشروعات سياحية وعقارية ضخمة فيها.
فما هو دور لجنة الإسناد؟ وكيف استطاعت القاهرة إقناع حماس وفتح بهذا الحل؟ وما هو مستقبل غزة في ظل هذه التغييرات السياسية المتسارعة؟
---
لجنة الإسناد: البديل المصري لمخطط ترامب
في مواجهة المقترح الأمريكي، الذي سعت تل أبيب وواشنطن لفرضه عبر الضغط العسكري والسياسي، عملت القاهرة على تقديم حل بديل يتمثل في تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي، التي تضم شخصيات فلسطينية مستقلة ومتخصصة، بعيداً عن الفصائل السياسية، لتولي إدارة الجوانب الإنسانية والإغاثية وإعادة إعمار القطاع.
وبحسب مصادر مصرية، فإن اللجنة ستتولى الإشراف على المساعدات الإنسانية، وإدارة عملية الإعمار، وإيجاد آلية لتشغيل المعابر الحدودية، خاصة معبر رفح، بما يضمن استمرار تدفق المساعدات دون الخضوع للابتزاز الإسرائيلي. كما تهدف اللجنة إلى تهدئة الأوضاع في غزة ومنع انزلاقها إلى الفوضى الأمنية، التي قد تتيح لتل أبيب تنفيذ خطتها بإعادة احتلال القطاع بشكل جزئي أو كلي.
حماس: من رفض تام إلى قبول تدريجي
قبل أشهر فقط، كانت حركة حماس ترفض بشكل قاطع أي مقترح يتضمن مغادرتها للسلطة في غزة، معتبرة أن ذلك يشكل استجابة للضغوط الإسرائيلية والأمريكية. غير أن التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة، والضغوط الإقليمية، دفعتها إلى تعديل موقفها والقبول بمبدأ لجنة الإسناد كخيار واقعي يضمن استمرار نفوذها، وإن كان بشكل غير مباشر.
ووفقًا لمصادر فلسطينية مطلعة، فإن حماس وافقت على تشكيل اللجنة شريطة أن يكون لها تأثير غير مباشر في قراراتها، وهو ما تحقق جزئيًا من خلال تفاهمات مع القاهرة، تضمن أن تكون اللجنة مرتبطة بالحكومة الفلسطينية، لكنها مستقلة في إدارتها التنفيذية.
فتح: التردد قبل الانخراط في التسوية
على الجانب الآخر، كانت حركة فتح أكثر تحفظًا في البداية، إذ كانت ترغب في أن تتولى السلطة الفلسطينية السيطرة الكاملة على غزة، بدعم إقليمي ودولي. لكن القاهرة نجحت في إقناع قيادة فتح بأن اللجنة قد تكون الوسيلة الوحيدة لاستعادة دورها في القطاع تدريجيًا دون الدخول في صدام مباشر مع حماس، أو التورط في مواجهات مع الفصائل المسلحة.
مصادر دبلوماسية أكدت أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيصدر مرسومًا رئاسيًا خلال الأيام المقبلة لإضفاء شرعية رسمية على اللجنة، في خطوة تعكس اقتناع القيادة الفلسطينية بأن هذا الحل هو الأكثر واقعية في الوقت الحالي.
---
جهود القاهرة: الضغوط والضمانات
لعبت القاهرة دورًا حاسمًا في إقناع الطرفين بقبول لجنة الإسناد، مستندة إلى عدة عوامل، أبرزها:
1. التحذير من البديل الأمريكي الإسرائيلي: إذ أكدت لممثلي حماس وفتح أن استمرار الجمود الحالي قد يؤدي إلى فرض الحل الأمريكي بالقوة، عبر إعادة احتلال غزة جزئيًا، أو فرض سلطة جديدة تدير القطاع تحت الوصاية الأمريكية.
2. تقديم ضمانات لحماس بعدم الإقصاء التام: حيث حصلت الحركة على تطمينات بأن اللجنة لن تكون بوابة لتجريدها من النفوذ تمامًا، وإنما آلية لتخفيف الضغوط الدولية عنها.
3. إقناع فتح بأن اللجنة ستكون خطوة أولى نحو استعادة سيطرة السلطة الفلسطينية، بدلًا من ترك غزة تحت حكم حماس أو الدخول في مواجهة مباشرة معها.
4. تأمين دعم إقليمي ودولي: إذ تحركت القاهرة لضمان تأييد دول عربية كالسعودية والأردن والإمارات، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، لضمان نجاح اللجنة وعدم تعرضها لضغوط تعرقل عملها.
---
ماذا بعد تشكيل لجنة الإسناد؟
يبدو أن المرحلة القادمة ستشهد تغيرًا جذريًا في معادلة الحكم في غزة، حيث ستكون اللجنة بمثابة سلطة مؤقتة لإدارة الشؤون المدنية، مما قد يفتح المجال لاحقًا لإعادة دمج القطاع ضمن السلطة الفلسطينية بشكل تدريجي.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، وأبرزها:
1. مدى التزام إسرائيل بوقف تدخلاتها في غزة، خاصة فيما يتعلق بفرض حصار اقتصادي أو تعطيل عمل اللجنة.
2. ردود فعل الفصائل الفلسطينية الأخرى، التي قد ترى في اللجنة محاولة لإضعاف دورها السياسي والعسكري.
3. موقف الشارع الغزي، الذي قد ينقسم بين مؤيد لوجود إدارة مدنية تخفف المعاناة اليومية، ومعارض يرى فيها خطوة لإبعاد الفصائل عن المشهد.
4. احتمالات التصعيد الإسرائيلي، في حال اعتبرت تل أبيب أن اللجنة قد تؤدي إلى تعزيز مكانة حماس سياسيًا بدلاً من إضعافها.
---
لجنة الإسناد... إنقاذ لغزة أم تسوية مؤقتة؟
في النهاية، يمثل تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي محاولة مصرية جادة لفرض حل يمنع انهيار غزة تحت الضغوط الدولية، ويحول دون تنفيذ مخطط ترامب لإعادة رسم مستقبل القطاع.
لكن السؤال الأهم: هل ستكون هذه اللجنة مجرد مرحلة انتقالية نحو حل سياسي دائم، أم أنها ستتحول إلى صيغة حكم جديدة تستمر لسنوات؟
هذا ما ستكشفه التطورات في الأيام المقبلة، وسط ترقب إقليمي ودولي لمدى نجاح هذا النموذج الجديد في إدارة غزة.