عودة الصفقة بعد توتر ومفاوضات شاقة
بعد أيام من الشد والجذب وقرار حركة حماس تعليق تسليم الأسرى بسبب ما وصفته بعدم التزام إسرائيل باتفاق الهدنة، عادت اليوم السبت عملية التبادل في مشهد حمل رسائل عسكرية وسياسية واضحة. وجاء ذلك بعد تهديدات أمريكية وإسرائيلية متصاعدة، حيث لوّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بـ"الجحيم"، فيما هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعودة الحرب.
ورغم التصعيد في الخطاب الإسرائيلي، أقدمت حماس على خطوة مدروسة حملت دلالات لا تخطئها العين، حيث قررت تسليم الأسرى الثلاثة عبر مركبة استولت عليها الحركة خلال هجومها في 7 أكتوبر 2023، المعروف باسم "طوفان الأقصى". هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة التساؤلات داخل إسرائيل حول تصريحات نتنياهو ومجلس حربه الذين زعموا أنهم "قضوا" على حماس، بينما تظهر الحركة اليوم وهي تستخدم المعدات العسكرية التي استولت عليها قبل أكثر من عام.
حماس تستعرض قوتها مجددًا
لم يكن استخدام المركبة المصادَرة هو الاستعراض الوحيد للقوة. فقد ظهر عناصر كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بكامل لياقتهم البدنية، مرتدين زيًا عسكريًا متقنًا، ويقودون المركبة التي تم الاستيلاء عليها خلال هجوم 7 أكتوبر. المشهد أثار تساؤلات في الأوساط العسكرية الإسرائيلية حول مدى دقة ادعاءات الجيش بشأن تدمير قدرات حماس، بينما تظهر الحركة وكأنها ما زالت تحتفظ بأسرى وأسلحة ومعدات عسكرية رغم أشهر من القصف والتدمير في غزة.
أسير إسرائيلي يصطاد السمك في غزة!
في مشهد آخر غير مسبوق، نشرت "سرايا القدس"، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقطع فيديو للأسير الإسرائيلي ألكسندر تروبنوف، الذي تم أسره خلال معركة 7 أكتوبر، حيث ظهر وهو يصطاد السمك على شاطئ بحر غزة، بينما بدا في حالة صحية جيدة وهو يتناول الموز. هذا المشهد الصادم للإسرائيليين جاء في وقت تروج فيه تل أبيب لمزاعم عن معاناة الأسرى في غزة، ليعكس صورة مغايرة تمامًا لما تحاول الحكومة الإسرائيلية تسويقه لجمهورها.
حماس تهدي أسيرًا قطعة ذهبية لابنته
ومن المفاجآت الأخرى التي حملتها الصفقة، أن كتائب القسام قدمت للأسير الإسرائيلي ساغي ديكل حن قطعة ذهبية هدية لابنته، التي وُلدت بعد أربعة أشهر من أسره. هذه البادرة، رغم طابعها الإنساني، تحمل في طياتها رسائل سياسية واضحة، إذ تُظهر حماس بمظهر "القوي الرحيم"، في مقابل الاتهامات الإسرائيلية لها بسوء معاملة الأسرى.
وصول الأسرى الفلسطينيين إلى رام الله
على الجانب الآخر، بدأت إسرائيل تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق، حيث غادرت أولى حافلات الأسرى الفلسطينيين المحررين السجون الإسرائيلية، ووصلت إلى مدينة رام الله بالضفة الغربية. وشهد اليوم الإفراج عن 369 أسيرًا فلسطينيًا، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، بعد أن أطلقت حماس سراح ثلاثة أسرى إسرائيليين.
73 أسيرًا إسرائيليًا لا يزالون في غزة
ورغم استكمال الجولة السادسة من تبادل الأسرى، لا يزال هناك 73 أسيرًا إسرائيليًا في قطاع غزة، وفق وسائل إعلام إسرائيلية، بينهم 36 تم تعريفهم على أنهم "ليسوا أحياء". ومن المقرر أن يتم الإفراج عن 14 أسيرًا إضافيًا خلال الأسابيع المقبلة ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
دلالات المشهد وأبعاده السياسية والعسكرية
1. إحراج إسرائيل أمام جمهورها: أظهرت المشاهد التي بثتها حماس وسرايا القدس الأسرى الإسرائيليين في صحة جيدة، وهو ما يتناقض مع الصورة التي تحاول تل أبيب ترسيخها حول أوضاعهم، مما قد يزيد الضغوط الداخلية على الحكومة الإسرائيلية.
2. إظهار قوة حماس رغم الحرب: استخدام مركبة استولت عليها الحركة في "طوفان الأقصى" يعكس قدرتها على الاحتفاظ بالمعدات العسكرية وإدارتها رغم الدمار الكبير الذي لحق بغزة.
3. رسالة سياسية وأخلاقية: تقديم قطعة ذهبية لأسير إسرائيلي كهدية لابنته يهدف إلى تصدير صورة حماس كحركة "تلتزم بأخلاقيات الحرب"، في مقابل الاتهامات الإسرائيلية بانتهاك حقوق الأسرى الفلسطينيين.
4. مستقبل التفاوض والجولة القادمة: مع اكتمال الجولة السادسة من التبادل، يتوقع أن تبدأ مفاوضات المرحلة الثانية الأسبوع المقبل، وسط تعقيدات سياسية وأمنية متزايدة، خاصة مع استمرار التعزيزات الإسرائيلية في الضفة الغربية وتحديدًا في طولكرم.
في النهاية، حملت هذه الجولة من تبادل الأسرى مشاهد لم تشهدها جولات سابقة، سواء من ناحية استعراض القوة من قبل حماس، أو من ناحية المشاهد التي تثير الجدل داخل إسرائيل، لتبقى الأيام المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، أبرزها احتمالات استئناف العمليات العسكرية أو الدخول في جولات تفاوضية أكثر تعقيدًا.