عاد ملف أموال التأمينات الاجتماعية إلى صدارة النقاش الاقتصادي في مصر، بالتزامن مع تعديل الحكومة آلية سداد المديونية التاريخية المستحقة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، ورفع قيمة الأقساط السنوية التي تتحملها الخزانة العامة.
وأعاد ذلك فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال العقدين الماضيين، والذي ارتبط لسنوات باسم وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، بعدما شاع وصف القضية إعلاميًا بأنها "الاستيلاء على أموال التأمينات".
ورغم أن هذا الوصف ظل حاضرًا في النقاشات السياسية والاقتصادية، فإن مسار القضية يكشف عن تشابكات مالية معقدة بين الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وبنك الاستثمار القومي، والخزانة العامة، انتهت بتحويل المديونية إلى التزام قانوني طويل الأجل تتحمله الدولة لعقود مقبلة.
بداية القصة.. فوائض التأمينات وتمويل المشروعات القومية
تعود جذور الأزمة إلى سبعينيات القرن الماضي، حين كانت صناديق التأمينات تحقق فوائض مالية نتيجة تجاوز حصيلة الاشتراكات قيمة المعاشات المصروفة. وكانت تلك الفوائض تُستثمر في البداية عبر صندوق استثمار أموال التأمينات، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بنك الاستثمار القومي بموجب القانون رقم 119 لسنة 1980.
واستخدم البنك هذه الأموال في تمويل المشروعات القومية والخطة الاستثمارية للدولة، مقابل عائد سنوي ثابت بلغ 4.5% لصالح صناديق التأمينات، وهو ما وفر للدولة مصدرًا منخفض التكلفة للتمويل، بينما اعتمدت الصناديق على هذا العائد لتغطية جزء من التزاماتها المستقبلية.
وخلال تلك الفترة لم تظهر أزمة حقيقية، إذ كانت الاشتراكات تكفي لسداد المعاشات، فيما استمرت الفوائض في تمويل استثمارات الدولة عبر بنك الاستثمار القومي.
عام 2000.. بداية الأزمة المالية
مع مطلع الألفية الجديدة بدأت ملامح الأزمة في الظهور، بعدما لم تعد الاشتراكات التأمينية تكفي لتغطية المعاشات المنصرفة.
وبحسب تصريحات سابقة للدكتور محمد معيط، الذي كان يشغل منصب مساعد وزير المالية لشؤون التأمينات آنذاك، بلغت قيمة المعاشات المنصرفة في 30 يونيو 2005 نحو 20 مليار جنيه، بينما لم تتجاوز الاشتراكات المحصلة 16 مليار جنيه، لتظهر فجوة تمويلية قدرت بنحو 4 مليارات جنيه.
ومع تزايد أعداد أصحاب المعاشات وارتفاع قيمة الاستحقاقات، اتسعت الفجوة تدريجيًا حتى وصلت، وفق تقديرات وزارة المالية في ذلك الوقت، إلى نحو 40 مليار جنيه سنويًا، ما خلق أزمة سيولة لدى صناديق التأمينات.
لماذا تدخلت الحكومة؟
في ظل استثمار الجزء الأكبر من أموال التأمينات لدى بنك الاستثمار القومي، لم تكن الصناديق تمتلك السيولة الكافية للوفاء بالتزاماتها، بينما كانت الأموال قد أعيد توظيفها بالفعل في مشروعات الدولة.
ولمواجهة هذا الوضع، اتخذت الحكومة عام 2006 قرارًا بإعادة هيكلة العلاقة المالية، من خلال نقل الجزء الأكبر من مديونية بنك الاستثمار القومي إلى الخزانة العامة، وإصدار صكين حكوميين بقيمة 176 مليار جنيه لصالح صندوقي التأمينات.
وبذلك أصبحت وزارة المالية مدينة مباشرة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، مع التزام بسداد عائد سنوي بلغ في البداية نحو 8%، بدلًا من العائد السابق البالغ 4.5%.
لماذا أثار القرار جدلًا واسعًا؟
أثار القرار موجة واسعة من الانتقادات، حيث رأى معارضون أن الحكومة استخدمت أموال التأمينات في تمويل عجز الموازنة العامة، بينما اعتبر آخرون أن أموال أصحاب المعاشات تحولت إلى مجرد دين على الدولة بدلًا من كونها استثمارات وأصولًا مملوكة للهيئة.
ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسم يوسف بطرس غالي بهذه القضية، وأصبحت عبارة "الاستيلاء على أموال التأمينات" تتردد باستمرار، رغم تأكيد وزارة المالية آنذاك أن الأموال لم تضيع، وإنما تحولت إلى التزام مباشر على الخزانة العامة بضمان الدولة.
رواية وزارة المالية
قدم الدكتور محمد معيط، في أكثر من مناسبة، تفسيرًا مغايرًا لما جرى، مؤكدًا أن تحويل المديونية إلى الخزانة العامة رفع العائد على أموال التأمينات من 4.5% إلى نحو 8%، وهو ما وفر للهيئة خلال السنوات الأولى نحو 17 مليار جنيه إضافية.
وأشار إلى أن الهيئة أعادت استثمار تلك العوائد، لترتفع استثماراتها المباشرة من نحو 10 مليارات جنيه إلى ما يقرب من 60 مليار جنيه، في حين زادت مدفوعات الخزانة العامة السنوية لصالح التأمينات من نحو 7 مليارات جنيه عام 2007 إلى نحو 45 مليار جنيه خلال سنوات قليلة، نتيجة ارتفاع الفوائد وزيادة أعداد أصحاب المعاشات.
بيان رسمي يكشف حجم المديونية
في أكتوبر 2011، أصدرت وزارة المالية بيانًا رسميًا نفت فيه ما تردد آنذاك عن ضياع 436 مليار جنيه من أموال التأمينات.
وأوضح البيان أن إجمالي أموال صناديق التأمينات بلغ 303.5 مليار جنيه، موزعة بين 240.9 مليار جنيه مستحقة لدى وزارة المالية، و62.6 مليار جنيه لدى بنك الاستثمار القومي، مؤكدًا أن جميع هذه الأموال موثقة وخاضعة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.
استمرار الجدل
ورغم ذلك، عاد الملف إلى الواجهة مجددًا عندما دعا وزير التضامن الأسبق الدكتور أحمد البرعي إلى استرداد أموال التأمينات وإعادة استثمارها في أصول وعقارات، معتبرًا أن الأداء الاستثماري للهيئة تراجع بصورة ملحوظة.
وردت وزارة المالية بأن الحديث عن "استرداد الأموال" غير دقيق، لأن الوزارة لم تستول عليها، وإنما أصبحت ضامنة لها بعد نقل مديونية بنك الاستثمار القومي إليها.
قانون 148 لسنة 2019.. نقطة التحول
شهد عام 2019 نقطة فاصلة في مسار القضية مع صدور قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، والذي ألزم الخزانة العامة لأول مرة بسداد المديونية التاريخية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي وفق جدول زمني يمتد إلى خمسين عامًا.
ونصت المادة 111 من القانون على التزام وزارة المالية بسداد المديونية بعائد سنوي، عبر أقساط دورية ثابتة، بما أنهى رسميًا التشابكات المحاسبية بين الهيئة والدولة، وحول المديونية إلى التزام قانوني مباشر على الخزانة العامة.
وفي عام 2020 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1218 لسنة 2020، الذي حدد آليات تنفيذ اتفاق فض التشابكات، وطريقة احتساب الأقساط والعائد وجدول السداد، لتصبح الأقساط السنوية بندًا ثابتًا في الموازنة العامة.
التزامات تتجاوز الأقساط السنوية
ولا يقتصر عبء الخزانة العامة على سداد أقساط فض التشابكات فقط، بل يشمل أيضًا تمويل الزيادات السنوية والاستثنائية للمعاشات، وتحمل أي مزايا إضافية لا يقابلها اشتراكات تأمينية، والمساهمة في معالجة أي عجز اكتواري، إضافة إلى الضمانات القانونية لاستدامة نظام التأمينات.
وتشير بيانات الموازنة إلى أن قيمة القسط السنوي المستحق عن العام المالي الحالي بلغت نحو 238.55 مليار جنيه، مع اقتراح حكومي برفعه إلى نحو 254.8 مليار جنيه، في إطار تعديل المادة 111 من القانون.
كما خصصت الدولة نحو 659.6 مليار جنيه لباب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، والذي يشمل جانبًا كبيرًا من الالتزامات المرتبطة بالمعاشات والحماية الاجتماعية.
لماذا عدلت الحكومة المادة 111؟
بررت الحكومة تعديل المادة بالحفاظ على الاستدامة المالية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وضمان استمرار قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه أصحاب المعاشات، في ظل المتغيرات الاقتصادية وأسعار الفائدة والتقديرات الاكتوارية الجديدة.
وأكدت المذكرة الإيضاحية للتعديل أن الهدف ليس تغيير جوهر الاتفاق، وإنما تعزيز قدرة الهيئة على مواجهة التزاماتها المستقبلية دون الإخلال بحقوق المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.
من أزمة سياسية إلى التزام مالي طويل الأجل
بعد نحو عشرين عامًا من بداية الأزمة، تغيرت طبيعة الملف بالكامل. فلم يعد الجدل يدور حول مصير أموال التأمينات أو الجهة التي حصلت عليها، بل أصبح التركيز منصبًا على كيفية تمويل التزام مالي ضخم تتحمله الخزانة العامة لعقود طويلة.
وأصبحت القضية اليوم واحدة من أكبر الالتزامات السيادية في الموازنة المصرية، في ظل سعي الدولة إلى تحقيق توازن بين ضمان حقوق أكثر من 11 مليون صاحب معاش، والحفاظ في الوقت نفسه على استدامة أوضاع المالية العامة، وهو ما يجعل ملف التأمينات أحد أهم التحديات الاقتصادية التي ستظل مؤثرة في الموازنات العامة لسنوات طويلة.
موضوعات متعلقة
ـ يوسف بطرس غالي يرد على ميرفت التلاوي ويكشف لغز أموال المعاشات.. فماذا قال؟
ـ عرضت الفكرة ومبارك رفضها.. يوسف بطرس غالي يكشف: "كان لازم نرفع دعم البنزين والسولار "
ـ علاء مبارك يرد على يوسف بطرس غالي بشأن غلاء الأسعار: "حتى أنت يا بروتس"
ـ يوسف بطرس غالي يهاجم مقترح الأصول مقابل تصفير الديون: "فكرة جهنمية"