أظهرت أحدث البيانات الإحصائية الرسمية الصادرة في بريطانيا عن استمرار التحولات الديموغرافيّة والثقافيّة في خيارات الأسر لتسمية مواليدها الجدد، حيث واصل اسم "محمد" تربعّه على عرش أكثر أسماء المواليد الذكور شيوعاً وانتشاراً في إنجلترا وويلز للعام الثالث على التوالي.
ويعكس هذا الاستقرار المتتالي عمق ارتباط الجاليات بجذورها الثقافية، في وقت تشهد فيه قوائم الأسماء التقليدية الأخرى في المملكة المتحدة حركات صعود وهبوط مستمرة بفعل تغير الأجيال والمؤثرات المجتمعية الحديثة.
أرقام الصدارة ومنافسة الأسماء التقليدية للذكور
ووفقاً للأرقام الرسمية المسجلة، فقد أطلق اسم "محمد" على نحو 6 آلاف طفل من المواليد الذكور.
وجاء هذا الانتشار الواسع ليمنح الاسم صدارة مريحة بفارق يقارب ألفي مولود عن اسم "نوح" الذي استقر في المركز الثاني، علماً بأن هذين الاسمين تحديداً يهيمنان على المركزين الأول والثاني بشكل ثنائي منذ عام 2023، مع تسجيل اتساع تدريجي في الفارق العددي بينهما مقارنة بالأعوام السابقة.
وفي المقابل، شهدت القائمة تغييرات لافتة في المراكز التالية، حيث حقق اسما "ليو" و"لوكا" قفزة نوعية ليحتلا المركزين الثالث والرابع على التوالي.
وتجاوز هذا الصعود أسماءً بريطانية تقليدية طالما كانت تاريخياً في طليعة الاختيارات مثل "آرثر"، "أوليفر"، و"جورج"، مما يشير إلى ميل الأسر البريطانية العامة نحو الأسماء الأكثر عصرية والأقصر نطقاً.
ثبات في خيارات الإناث بقيادة "أوليفيا"
على الجانب الآخر من الإحصاءات، اتسمت اختيارات الأسر البريطانية للمواليد الإناث باستقرار نسبي في الصدارة دون مفاجآت كبرى.
وحافظ اسم "أوليفيا" على مركزه القيادي كأكثر أسماء الفتيات شعبية وشيوعاً في إنجلترا وويلز. وتلت الصدارة مجموعة من الأسماء التي تحظى بقبول مجتمعي واسع وجاءت في المراكز المتقدمة تباعاً وهي: "ليلي"، "أميليا"، "آيلا"، و"فلورنس"، وهي أسماء تعكس التوجه البريطاني الكلاسيكي الممزوج بلمسات العصر الحالي.
العوامل الديموغرافية والتاريخية وراء استمرار الظاهرة
لم تكن صدارة اسم "محمد" وليدة الصدفة، بل هي نتاج منحنى صعود تاريخي مستمر؛ حيث بدأ الاسم بالظهور ضمن قائمة أفضل 100 اسم في البلاد لأول مرة في عام 1997، قبل أن يستقر بشكل دائم ضمن قائمة العشرة الأوائل منذ عام 2016.
وتُرجع المكاتب والجهات الإحصائية هذا التميز المستمر إلى النمو المتواصل الذي تشهده الجالية المسلمة في المملكة المتحدة، والتي يقدر عدد أفرادها حالياً بنحو أربعة ملايين نسمة، وهو ما يشكل قرابة 6% من إجمالي التعداد السكاني العام للبلاد.
وتشير التحليلات السلوكية والاجتماعية إلى أن العائلات المسلمة تمتلك رغبة قوية وحافزاً كبيراً في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية لأبنائها من خلال التسمية، على عكس بقية شرائح المجتمع التي اتجهت خياراتها نحو تنوع وتشتت أكبر في الأسماء.
ويعيد هذا المشهد الإحصائي إلى الأذهان الجذور التاريخية ال ممتدة للوجود الإسلامي في بريطانيا، والتي سجلت أولى موجات الهجرة الملحوظة فيها أواخر القرن التاسع عشر نحو المدن الساحلية والتجارية الكبرى مثل لندن، كارديف، وليفربول، وكان جلها من المهاجرين القادمين من مصر واليمن، ليتحول هذا الوجود المحدود عبر العقود إلى مكون أصيل ومؤثر في النسيج السكاني والاجتماعي البريطاني المعاصر.