شهدت الساعات الماضية رحيل الفنانة والراقصة المعتزلة سهير زكي، بعد صراع قصير مع المرض، لتطوي بذلك صفحة من أكثر صفحات الفن المصري ثراءً وإثارة للجدل الجميل.
سهير، التي عُرفت برزانتها والتزامها الفني، لم تكن مجرد راقصة مرت في تاريخ السينما، بل كانت "أيقونة" استعراضية استطاعت أن تفرض فنها على أرقى المحافل الرسمية، وتنتقل من قرى المنصورة إلى القصور الرئاسية، محققة شهرة عالمية جعلت منها وجهاً مألوفاً لدى قادة وزعماء العالم في النصف الثاني من القرن العشرين.
من قسوة "الزيرو" إلى أضواء القاهرة
لم يكن طريق "سهير زكي عبد الله" مفروشاً بالورود، بل كان معبداً بالألم والصبر. ولدت في قلب المنصورة عام 1945 لأسرة فقيرة، وعاشت مرارة هجر الأب وقسوة الحاجة، مما دفعها للعمل وهي في العاشرة من عمرها مقابل قروش زهيدة.
واجهت سهير عنفاً أسرياً شديداً وصل إلى حد قيام والدها بحلق شعرها "على الزيرو" لمنعها من الرقص، لكن شغفها كان أقوى من الخوف.
انتقلت إلى الإسكندرية ثم القاهرة، حيث أعاد اكتشافها المخرج محمد سالم، لتنطلق من برامج الهواة بالتلفزيون المصري وتصبح خلال سنوات قليلة المنافسة الأبرز لعملاقات الرقص الشرقي مثل تحية كاريوكا وسامية جمال.
"الراقصة التي تحدت كوكب الشرق (أم كلثوم)"
سجل التاريخ لسهير زكي جرأة فنية لم يسبقها إليها أحد، حين قررت الرقص على موسيقى أغنيات "كوكب الشرق" أم كلثوم، وهو الأمر الذي كان يعتبر "من المحرمات" الفنية آنذاك.
تسبب هذا الفعل في غضب عارم للسيدة أم كلثوم التي قررت الذهاب بنفسها لمشاهدة "هذه الجرأة".
وفي لحظة فارقة، تحول الغضب الكلثومي إلى إعجاب شديد بعد رؤية التزام سهير بالإيقاع الموسيقي الرفيع، لتقول لها أم كلثوم جملتها الشهيرة: "كنت ناويت لك على نية سودة، لكنك كنتِ إضافة مدهشة"، ومنذ تلك اللحظة نالت سهير لقب "الراقصة التي تحدت الست" وأصبحت صديقة مقربة لها.
حين أبهرت نيكسون ولقبها السادات بـ "زغرودة"
عُرفت سهير زكي بلقب "راقصة الملوك والرؤساء"، حيث كانت الاختيار الأول للدولة المصرية في الحفلات الرسمية. رقصت في أفراح أبناء الزعيم جمال عبد الناصر، ونالت دلالاً خاصاً من الرئيس أنور السادات الذي كان يناديها بـ "سوسو".
بلغت شهرتها العالمية ذروتها حين رقصت أمام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، الذي انبهر بأدائها لدرجة أنه ظل يناديها بـ "زغرودة".
كما كانت أول راقصة مصرية تغزو الاتحاد السوفيتي وتقدم فنها أمام قادته، ورقصت أمام شاه إيران والحبيب بورقيبة، محولة الرقص الشرقي إلى لغة دبلوماسية ناعمة تحترمها الشعوب.
حكاية حرق البدلات والانسحاب الهادئ
في ذروة مجدها وبشكل مفاجئ، قررت سهير زكي الاعتزال في التسعينيات، وكان الدافع هو "الحب والأسرة".
بعد زواجها من المخرج محمد عمارة، شعرت بغيرته الضمنية على فنها، فما كان منها إلا أن قامت بحرق جميع بدلات رقصها في واقعة شهيرة، لتعلن تفرغها التام لبيتها ولابنها الوحيد محمد.
فضلت سهير الانسحاب وهي في كامل لياقتها وجمالها، رافضة كل إغراءات العودة أو كتابة المذكرات مقابل عشرات الملايين، مؤكدة أنها تحترم تاريخها ولا تريد المتاجرة بأسرار البيوت الكبرى التي دخلتها، لترحل اليوم تاركة صورة "الفنانة المحترمة" التي أجمع الكل على رقي أخلاقها.
موضوعات متعلقة
ـ وداعاً "سيدة الاستعراض".. الموت يغيب الفنانة سهير زكي بعد صراع مع المرض
من "اللفتة الإنسانية" إلى "ساحة القضاء".. إشارة أمير عيد في العزاء تفجر أزمة قانونية
خلف الستار... سر "الرسائل الصامتة" بين فيفي عبده وسمية الخشاب
دراما "أصحاب الأرض" تشعل غضب إسرائيل.. هجوم "معاريف" يمنح المسلسل صدارة