في واقعة أمنية مثيرة أعادت طرح أسئلة حساسة حول حدود استخدام القوة في الولايات المتحدة، شهدت العاصمة واشنطن مساء السبت هجومًا مسلحًا استهدف مأدبة عشاء مراسلي البيت الأبيض بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دون أن يلجأ عناصر الحماية إلى إطلاق النار على المنفذ، رغم تسلحه ببندقية خرطوش ومسدس وسكاكين.
تفاصيل إطلاق النار على حفل مراسلي البيت الأبيض
المهاجم، الذي عُرف باسم كول توماس ألين، تمكن من التسلل إلى نقطة التفتيش الأمنية، وأطلق رصاصة أصابت سترة أحد أفراد جهاز الخدمة السرية، قبل أن تتم السيطرة عليه خلال ثوانٍ معدودة عبر تدخل مباشر وسريع من العناصر الأمنية باستخدام ما يُعرف بتكتيك “المسافة الصفرية”، وهو أسلوب يعتمد على الإطاحة بالمهاجم جسديًا ومنعه من إعادة استخدام سلاحه داخل بيئة مزدحمة بالمدنيين.
لماذا لم يطلق حراس ترامب النار على المهاجم؟
ورغم خطورة الموقف، لم تُطلق وابل من النيران على المهاجم، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول سبب ضبط النفس في لحظة بدت فيها التهديدات حقيقية ومباشرة. إلا أن الإجابة تعود إلى مزيج معقد من التدريب الأمني الصارم والقيود القانونية التي تحكم استخدام القوة المميتة في الولايات المتحدة، وعلى رأسها المعيار الذي أقرته المحكمة العليا فيما يعرف بـ”قضية غراهام”.
حكاية غراهام والعصير
وتعود جذور هذا المبدأ إلى حادثة وقعت عام 1984 في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولاينا، حين تعرض الشاب ديثورن غراهام، الذي كان يعاني من هبوط حاد في سكر الدم، ودخل متجراً لشراء عصير البرتقال بمدينة شارلوت الأمريكية. لكن الازدحام أجبره على المغادرة سريعاً فارغ اليدين، وهو تصرف أثار ريبة ضابط شرطة، فتدخل بشكل عنيف معه لينتهى الامر بدعوى قضائية تاريخية أمام المحكمة العليا عام 1989.
وأسست القضية لمعيار “القوة الموضوعية المعقولة”، الذي يحدد متى يكون استخدام القوة المميتة مبررًا قانونيًا، بناءً على تقييم التهديد الفعلي واللحظي، وليس الانطباع العام أو التوتر الميداني.
وفي حالة هجوم واشنطن، فإن سرعة تحييد المهاجم وتجريده من السلاح خلال ثوانٍ معدودة جعلت التهديد المباشر للحياة يتلاشى فورًا، ما دفع عناصر الخدمة السرية إلى الامتناع عن استخدام السلاح الناري، تجنبًا لخطر “الارتداد النيراني” داخل تجمع مكتظ قد يحصد أرواح مدنيين أبرياء.
ويرى خبراء أمنيون أن ما حدث يعكس تطبيقًا دقيقًا لمعادلة شديدة الحساسية تجمع بين القانون والتكتيك، حيث تتحول الثواني إلى عامل حاسم في اتخاذ القرار بين إطلاق النار أو السيطرة اليدوية.
فلم يكن قرار عدم إطلاق النار مجرد تردد ميداني، بل نتيجة مباشرة لتطور طويل في فلسفة الأمن الأميركية، التي باتت تقوم على مبدأ “أقل قدر من القوة اللازمة”، طالما أن الخطر تم تحييده ولم يعد وشيكًا، لتبقى الواقعة نموذجًا معقدًا لتوازن دقيق بين حماية الأرواح واحترام القانون.
موضوعات متعلقة
اختبأ وسط الضيوف.. فضيحة تلاحق مدير الـ FBI في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض