رأفت الهجان، الاسم الحركي للمواطن المصري رفعت علي سليمان الجمال، يُعد أحد أعظم أساطير الجاسوسية في تاريخ مصر الحديث.
فقد أُرسل إلى إسرائيل عام 1956 في مهمة سرية بتكليف من المخابرات العامة المصرية، ضمن خطة مدروسة تهدف إلى زرع عميل داخل المجتمع الإسرائيلي وجمع معلومات استراتيجية لصالح مصر.
رحلته من المواطن العادي إلى عميل مزدوج
قبل انخراطه في عالم التجسس، كان رفعت الجمال مواطنًا عاديًا، عاش طفولة متميزة في أسرة مرموقة بالقاهرة بعد انتقالها إليها عام 1936.
أظهر ميلاً كبيرًا للفن والمسرح، وتخرج من مدرسة التجارة عام 1946، وعمل في شركة بترول برأس غارب، قبل أن يغادر للعمل في الإسكندرية والتعرف على جنسيات مختلفة، ما ساعده لاحقًا على تطوير مهاراته اللغوية والاجتماعية.
لاحقًا، واجه الجمال العديد من المشاكل القانونية أثناء سفره خارج مصر، بما في ذلك تهريب جوازات سفر مزورة وملاحقة الشرطة في ألمانيا وإيطاليا.
هذه التجارب الصعبة كانت جزءًا من بناء شخصيته وقدرته على التكيف في بيئات مختلفة، ما أهلّه لاحقًا لأداء مهامه الاستخباراتية بكفاءة عالية.
اختراق إسرائيل وإقامة شبكة استخباراتية
انطلقت مهمته الحقيقية داخل إسرائيل في 1955، حيث أقام مصالح تجارية واسعة تحت ستار شركة سياحية تحمل اسم "سيتور".
وبفضل ذكائه الاجتماعي والتجاري، أصبح شخصية بارزة في المجتمع الإسرائيلي، مقربًا من كبار المسؤولين والسياسيين مثل موشي ديان، عزرا فايسمان، وجولدا مائير.
طوال 17 عامًا، زود الهجان المخابرات المصرية بمعلومات حاسمة، أبرزها موعد حرب 1967 وخطة خط بارليف قبل حرب أكتوبر 1973، ما أسهم بشكل فعال في نجاح العمليات العسكرية المصرية.
وقد كانت قدرته على الاختفاء داخل المجتمع الإسرائيلي وعدم كشف هويته السرية من أبرز عناصر نجاح مهمته.
الهجان والسينما: قصة تحول من الظل إلى الشاشة
قبل دخوله عالم التجسس، شارك رفعت الجمال في عدد محدود من الأفلام المصرية، أبرزها:
ـ عنبر (1948) مع أنور وجدي وليلى مراد
ـ القصر الكبير (1949) بشخصية ابن الباشا
ـ أحبك أنت (1949) مع فريد الأطرش، حيث ظهر كراقص ضمن الاستعراضات
لكن شهرته الحقيقية جاءت بعد وفاته، عندما تحول إلى أسطورة في الدراما العربية عبر مسلسل "رأفت الهجان" الذي عرض عام 1988، وكتبته صالح مرسي وأخرجه يحيى العلمي، وقدم دوره الفنان محمود عبد العزيز.
المسلسل سرد حياة الهجان ومهامه داخل إسرائيل، ما جعله رمزًا وطنيًا في قلوب المصريين.
الحياة الشخصية بعد المهمة
بعد إنهاء مهمته، عاش رفعت الجمال في ألمانيا حيث تزوج من الألمانية فراو فالتراوت، دون أن يعرف أي شخص، بما في ذلك زوجته، أنه كان عميلًا للمخابرات المصرية. استقر هناك حتى وفاته في 30 يناير 1982 بمدينة دارمشتات القريبة من فرانكفورت نتيجة إصابته بسرطان الرئة، ودُفن في ألمانيا.
إرث الهجان وأهميته التاريخية
تُعتبر قصة الهجان إحدى أعظم عمليات التجسس في تاريخ مصر الحديث، لما مثلته من تحدٍ كبير للموساد الإسرائيلي، الذي اعتُبر شبه منيع في ذلك الوقت.
وأثبت الهجان أن التخطيط الاستراتيجي، والذكاء الاجتماعي، والقدرة على الانخراط في بيئة معادية يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا في الأمن القومي لأي دولة.
مسلسل الهجان وذكراه تركا إرثًا إعلاميًا وثقافيًا خالدًا، إذ تحولت قصته إلى رمز للوطنية والتضحية في سبيل مصر، ودرسًا مهمًا في فنون الجاسوسية والاستخبارات.
موضوعات متعلقة
ـ رئيس المخابرات العامة في بيروت.. مباحثات لاحتواء التوتر جنوب لبنان
ـ رئيس المخابرات العامة يبحث مع البرغوثي توحيد الصف الفلسطيني في القاهرة
ـ نتنياهو: التقيت رئيس المخابرات المصرية لدفع خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة