advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

قبل أي مواجهة محتملة مع واشنطن وتل أبيب: كيف بُنيت القوة العسكرية الإيرانية؟

مصطفى علوان

الجمعة, 16 يناير, 2026

01:23 م

على وقع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، ووسط حديث متزايد عن احتمالات الصدام المباشر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يعود الاهتمام مجددًا إلى تفكيك بنية القوة العسكرية الإيرانية، وفهم الكيفية التي شُيّدت بها هذه المنظومة خلال عقود، ليس فقط للدفاع عن الحدود، بل لضمان بقاء النظام وتعزيز نفوذه الإقليمي.

المرشد الأعلى.. حجر الأساس في البناء العسكري

تمثل المؤسسة العسكرية الإيرانية نموذجًا فريدًا في تركيبتها، إذ يتركز القرار العسكري بالكامل في يد المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يجمع بين السلطة الدينية والقيادة المطلقة للقوات المسلحة.

فالمرشد هو من يحدد العقيدة القتالية، ويرسم الخطوط العريضة للإستراتيجية الدفاعية والهجومية، ويشرف بشكل مباشر على مفاصل القوة الصلبة للدولة، بعيدًا عن أي رقابة تنفيذية حقيقية من الحكومة المنتخبة.

غياب الدور التنفيذي للرئاسة ووزارة الدفاع

وعلى خلاف الأنظمة العسكرية التقليدية، لا يتمتع الرئيس الإيراني أو وزير دفاعه بدور قيادي مباشر في إدارة العمليات أو اتخاذ قرارات الحرب.

ويقتصر تأثيرهم على الإطار السياسي والأمني من خلال عضويتهم في المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرفع توصياته للمرشد. أما وزارة الدفاع، فتنحصر مهامها في إدارة الصناعات العسكرية، وتطوير منظومات التسليح، وتوفير الاحتياجات اللوجستية للقوات المسلحة.

هيكل عسكري متعدد الطبقات لخدمة النظام

تتألف القوات المسلحة الإيرانية من ثلاثة أفرع رئيسية، هي الجيش النظامي، والحرس الثوري، وقوات إنفاذ القانون.

وتعمل هذه الأفرع تحت إشراف مؤسستين مركزيتين هما هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، المسؤولة عن التوجيه الإستراتيجي، ومقر خاتم الأنبياء المركزي الذي يتولى قيادة العمليات المشتركة.

ويضمن هذا البناء تعدد مراكز القوة، مع بقاء القرار النهائي بيد المرشد.

عقيدة أمنية مصممة للصدام طويل الأمد

قامت إيران ببناء عقيدتها العسكرية على تصور شامل للتهديدات، فقسمتها إلى تهديدات عسكرية مباشرة، وأخرى داخلية وأمنية، وثالثة ثقافية وفكرية.

هذا التصور سمح للنظام بتوظيف أدوات عسكرية وأمنية وإعلامية متوازية، والاستعداد لمواجهة ليست فقط عسكرية، بل شاملة، قد تمتد لفترات طويلة في حال اندلاع صراع مع قوى كبرى.

الجيش النظامي.. خط الدفاع التقليدي

يمثل الجيش الإيراني الذراع التقليدية للدفاع عن الدولة، ويضم مئات الآلاف من الجنود موزعين على القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي.

ورغم امتلاكه العدد الأكبر من الجنود والمعدات الثقيلة، فإن دوره ظل دفاعيًا بالأساس، معتمداً على استراتيجيات صد الهجمات وحماية الحدود، خاصة في ظل تراجع قدراته التكنولوجية بسبب العقوبات الدولية.

قدرات محدودة وسلاح جو متقادم

عانى الجيش الإيراني، وخصوصًا سلاح الجو، من تقادم كبير في المعدات، إذ تعتمد القوات الجوية على طائرات تعود لعقود سابقة.

هذا الضعف دفع طهران إلى البحث عن بدائل غير تقليدية لتعويض الفجوة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تتمتعان بتفوق جوي ساحق.

الحرس الثوري.. العمود الفقري للمواجهة

في قلب القوة العسكرية الإيرانية يقف الحرس الثوري، الذي شُكّل بعد الثورة ليكون الحارس الأول للنظام.

ومع مرور الوقت، تحول إلى القوة الأكثر تسليحًا وتنظيمًا وتأثيرًا، وأُسندت إليه المهام الهجومية غير التقليدية، وعلى رأسها إدارة برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبناء شبكات النفوذ الإقليمي.

الردع الصاروخي كبديل عن التفوق الجوي

استثمرت إيران على مدى سنوات طويلة في بناء واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، معتبرة الصواريخ أداة الردع الأساسية في أي مواجهة محتملة مع واشنطن وتل أبيب.

وتنتشر هذه الترسانة في قواعد محصنة وتحت الأرض، ما يمنحها قدرة على الصمود والرد حتى في حال تعرضها لضربات استباقية.

حرب البحار والممرات الإستراتيجية

أدركت طهران مبكرًا أهمية السيطرة على الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، فطورت قدرات بحرية غير تقليدية عبر الحرس الثوري، تشمل زوارق سريعة، وألغامًا بحرية، وصواريخ ساحلية، تكتيكات تهدف إلى تعطيل حركة الملاحة وفرض كلفة اقتصادية عالية على الخصوم في حال اندلاع مواجهة.

فيلق القدس وتوسيع ساحة المواجهة

لم تكتفِ إيران ببناء قوة داخل حدودها، بل عملت عبر فيلق القدس على نقل خطوط المواجهة إلى خارج أراضيها، من خلال دعم جماعات مسلحة حليفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

وبهذا الأسلوب، حولت أي صراع محتمل مع واشنطن أو تل أبيب إلى مواجهة متعددة الجبهات، ما يزيد من تعقيد كلفتها العسكرية والسياسية.

الباسيج والأمن الداخلي زمن الحرب

ضمن حسابات أي مواجهة واسعة، أولى النظام أهمية خاصة لضبط الجبهة الداخلية، فاعتمد على منظمة «الباسيج» كقوة تعبئة وقمع واحتواء للاحتجاجات، لضمان عدم اهتزاز الداخل الإيراني في لحظات الضغط الخارجي.

قوة صُممت للصمود لا للحسم السريع

في المجمل، بُنيت القوة العسكرية الإيرانية على مبدأ الصمود طويل الأمد، وليس تحقيق نصر خاطف.

فهي منظومة تدمج بين الدفاع التقليدي، والردع الصاروخي، والحرب غير المتكافئة، وتوسيع ساحات الاشتباك خارج الحدود، في محاولة لخلق توازن ردع أمام تفوق عسكري أميركي وإسرائيلي واضح.

سيناريو المواجهة المفتوحة

وقبل أي مواجهة محتملة مع واشنطن وتل أبيب، تبدو إيران وقد أعدّت نفسها لمعركة استنزاف معقدة، تراهن فيها على الزمن، وتعدد الجبهات، ورفع كلفة الحرب على الخصوم، أكثر من اعتمادها على الحسم العسكري المباشر، وهو ما يفسر شكل وتركيبة القوة التي بنتها طوال العقود الماضية.