في تطور غير مسبوق، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية نُفذت فجر أمس السبت، أنهت حملة ضغط استمرت لأشهر قادتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط موجة تنديد وتحفظ من عدد من قادة العالم.
وبحسب مسؤولين أميركيين، جرى نقل مادورو إلى سفينة حربية أميركية في طريقها إلى نيويورك، حيث من المقرر أن يواجه اتهامات جنائية تتعلق بالإرهاب والاتجار بالمخدرات والأسلحة، في خطوة أثارت تساؤلات حادة بشأن قانونية الإجراء الأميركي وتداعياته السياسية والدولية، بحسب تقرير نشرته "سكاي نيوز".
ماذا حدث على الأرض؟
مع ساعات الصباح الأولى من يوم السبت، شنت قوات أميركية عملية عسكرية داخل فنزويلان وخلال 3 ساعات تم السيطرة على الأمر وأسفرت العملية العسكرية عن احتجاز مادورو وزوجته سيليا فلوريس.
وتتهم واشنطن مادورو، الذي لا تعترف بشرعيته منذ عام 2019، بدعم عصابات مخدرات صنفتها جماعات إرهابية، وتحميله مسؤولية آلاف الوفيات في الولايات المتحدة المرتبطة بتعاطي المخدرات غير المشروعة.
ومنذ سبتمبر الماضي، كثفت القوات الأميركية عملياتها في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، حيث نفذت ما لا يقل عن 30 غارة استهدفت قوارب يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات من فنزويلا، وأسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص، وهي عمليات وصفها خبراء قانونيون بأنها قد تشكل انتهاكًا للقانونين الأميركي والدولي.
كيف بررت واشنطن العملية؟
أوضحت السلطات الأميركية أن وزارة العدل طلبت دعمًا عسكريًا لتنفيذ عملية القبض، استنادًا إلى لوائح اتهام صادرة عن هيئة محلفين في نيويورك، شملت مادورو وزوجته وابنه وعددًا من القادة السياسيين، إضافة إلى شخص وُصف بأنه زعيم شبكة إجرامية دولية.
وقالت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي إن المتهمين "سيواجهون غضب العدالة الأميركية الكامل داخل المحاكم الأميركية"، فيما ذهب الرئيس دونالد ترامب أبعد من ذلك، ملوحًا باستعادة المصالح النفطية الأميركية في فنزويلا، ومعلنًا نية واشنطن إدارة شؤون البلاد لفترة مؤقتة، دون الكشف عن تفاصيل واضحة.
هذا التداخل بين إنفاذ القانون والأهداف السياسية أثار انتقادات واسعة، إذ اعتبر خبراء في القانون الدولي أن الإدارة الأميركية خلطت بين عملية قضائية محددة وسيناريو محتمل للسيطرة طويلة الأمد على دولة ذات سيادة.
ويقول جيريمي بول، أستاذ القانون الدستوري بجامعة نورث إيسترن: "لا يمكن تبرير العملية باعتبارها إجراءً لإنفاذ القانون، ثم التحول للحديث عن إدارة دولة بأكملها. هذا منطق متناقض قانونيًا".
ماذا يقول القانون الأميركي والدولي؟
ينص الدستور الأميركي على أن سلطة إعلان الحرب تعود إلى الكونغرس، بينما يمنح الرئيس صلاحيات بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة في حال كانت العمليات محدودة وتخدم المصلحة الوطنية. ومع ذلك، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن الكونغرس لم يُخطر مسبقًا بعملية القبض على مادورو.
أما على الصعيد الدولي، فيحظر القانون الدولي استخدام القوة في العلاقات بين الدول، باستثناء حالات ضيقة مثل الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
ويرى خبراء قانونيون أن جرائم الاتجار بالمخدرات، رغم خطورتها، تظل نشاطًا إجراميًا لا يرقى إلى مستوى النزاع المسلح الذي يبرر التدخل العسكري.
ويشير ماثيو واكسمان، أستاذ قانون الأمن القومي بجامعة كولومبيا، إلى أن "مجرد الاتهام الجنائي لا يمنح شرعية لاستخدام القوة العسكرية لعزل حكومة أجنبية"، مرجحًا أن تعتمد الإدارة الأميركية على تفسيرات موسعة لمفهوم الدفاع عن النفس.
هل هناك سوابق مشابهة؟
سبق للولايات المتحدة تنفيذ عمليات قبض على مشتبه بهم في دول أخرى، مثل ليبيا، لكن ذلك تم غالبًا بالتنسيق مع السلطات المحلية. وفي حالة فنزويلا، لم تعترف واشنطن بوجود قيادة بديلة مخولة بإصدار مثل هذا الإذن.
ويستحضر هذا المشهد واقعة اعتقال الجنرال البنمي مانويل نورييغا عام 1989، حين بررت واشنطن تدخلها بحماية مواطنيها واتهام نورييغا بتهريب المخدرات، مع التشكيك في شرعيته السياسية آنذاك.
كما سُلم الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز إلى الولايات المتحدة عام 2022، وأدين لاحقًا وحُكم عليه بالسجن 45 عامًا، قبل أن يصدر ترامب عفوًا عنه في ديسمبر الماضي.
هل ستُحاسب واشنطن؟
يستبعد خبراء القانون الدولي تعرض الولايات المتحدة لمساءلة حقيقية، حتى في حال ثبوت عدم قانونية الإجراء، نظرًا لضعف آليات الإنفاذ في النظام الدولي.
ويختم جيريمي بول بالقول: "من الصعب تصور جهة قانونية قادرة فعليًا على فرض عواقب عملية على الإدارة الأميركية".