advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

ناجية من الفاشر تروي تفاصيل مروعة: أطعمت حفيدي علفا متعفنا حتى لا يموت

شرين احمد

الأربعاء, 29 أكتوبر, 2025

03:33 م

من بين ركام المنازل المهدمة وصيحات الأمهات المفجوعات، خرجت إكرام عبد الحميد تحمل رضيعها بين ذراعيها واثنين من أطفالها، تسابق الرصاص والغبار، لتروي بعد نجاتها أحد أكثر فصول المأساة السودانية دموية في مدينة الفاشر، التي سقطت مؤخرًا بيد قوات الدعم السريع بعد حصار دام 18 شهرًا.

ناجية من الفاشر: أعدموا الرجال أمامنا

تقول إكرام، في تسجيل صوتي حصلت عليه وكالة "رويترز"، إنها شاهدت رجالًا يُعدمون أمام أعين النساء، بعدما أُوقفوا عند حاجز ترابي أقامته الميليشيا حول المدينة، وتم فصل الرجال عن النساء.

وتضيف بصوت مرتجف: "طلبوا من الجنود أن يسلموا أنفسهم، لكن لما محدش رفع إيده، اختاروا بعض الرجال وأطلقوا عليهم النار في الحال، قدامنا..."

الأطفال يأكلون علفا متعفنا حتى لا يموتون من الجوع

رحلة النجاة كانت أشبه بالمستحيل. القذائف تتساقط حولهم، والمدينة تغرق في صمت الموت، وزوجها يختفي وسط الفوضى. أما حفيدها الرضيع، الذي فقد والديه أثناء الحصار، فقد عانى من سوء تغذية حاد، بعدما اضطرت الجدة لإطعامه علفًا متعفنًا للحيوانات حتى لا يموت من الجوع. تقول: "ما لقيتش حليب أديهوله غير مرة واحدة... كنت بحاول أحافظ عليه بالمحاليل لحد ما وصلت طويلة."

صور حصلت عليها "رويترز" أظهرت الطفل يتلقى علاجًا عبر الوريد في بلدة طويلة التي باتت تؤوي عشرات الآلاف من النازحين، فيما أظهرت صور أقمار صناعية نشرها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل مجموعات من الأجسام البشرية قرب الحواجز التي أقامتها قوات الدعم السريع، مع بقع حمراء يُعتقد أنها دماء، ما يؤكد روايات الناجين حول الإعدامات الميدانية.

انتهاكات واسعة

الأمم المتحدة قالت إنها "مروعة" من التقارير التي تتحدث عن انتهاكات واسعة النطاق تشمل عمليات إعدام عاجلة، وهجمات على المدنيين، ومداهمات للمنازل، ومنع السكان من الوصول إلى مناطق آمنة. فيما أوضحت منظمة أطباء بلا حدود أن 75% من الأطفال الوافدين من الفاشر يعانون من سوء تغذية حاد، و26% في حالة حرجة، بينما تستضيف البلدة نحو 800 ألف نازح من الفاشر ومخيم زمزم المجاور.

مدنيون محاصرون

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فقد فر أكثر من 26 ألف شخص من المدينة خلال يومين فقط، فيما لا يزال نحو 250 ألف مدني محاصرين داخل الفاشر، يواجهون خطر الموت جوعًا أو برصاص الميليشيا.

محاكمة قوات الدعم السريع

على الصعيد الرسمي، دعت الحكومة السودانية إلى محاكمة قوات الدعم السريع وتصنيفها منظمة إرهابية، بعد ارتكابها ما وصفته بـ"جرائم مروعة بحق المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ".

وقال وزير الإعلام السوداني خالد الإعيسر إن الميليشيا "روعّت المدنيين في الفاشر وبارا بشمال كردفان، وقتلتهم بدم بارد"، مطالبًا الإعلام المحلي والدولي بتسليط الضوء على هذه الانتهاكات.

إبادة جماعية مكتملة الأركان

أما حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، فأكد أن ما جرى في الفاشر والقرى المجاورة هو إبادة جماعية مكتملة الأركان، قائلاً: "الدعم السريع لا يفرّق بين صغير وكبير... ممولوهم اشتروا صمت العالم، لكن إرادة الشعب السوداني لا تُكسر."

في المقابل، يرى مراقبون أن سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش في دارفور، يعزز قبضة الدعم السريع على الإقليم، ويكرس واقع الانقسام في السودان بين سلطتين متنازعتين، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الحرب إلى صراع عِرقي شامل يعيد إلى الأذهان مأساة دارفور مطلع الألفية.

وهكذا، تظل الفاشر جرحًا مفتوحًا في جسد السودان، تُعيد للعالم صور المجازر والنزوح والمجاعة، في وقتٍ يقف فيه المجتمع الدولي عاجزًا أمام دماء تُراق بلا حساب، ومدينة تحولت إلى مقبرة صامتة لمدنيين لا صوت لهم إلا في صدى الشهادات الموجعة.