تحولت كارثة غزة الإنسانية إلى منعطف خطير، بعدما أعلنت الأمم المتحدة – بالتعاون مع التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي – دخول القطاع رسميًا في مرحلة المجاعة، لتسجل محافظة غزة أولى البؤر المتضررة، مع توقع تمدد الكارثة إلى دير البلح وخان يونس خلال أسابيع قليلة.
غزة تجاوزت مرحلة الكارثة
أكد وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان، في مقابلة عبر «زوم» مع قناة «القاهرة الإخبارية»، أن الوضع في قطاع غزة تجاوز مرحلة الكارثة، حيث أسفر العدوان المستمر عن استشهاد أكثر من 62 ألف فلسطيني وإصابة 150 ألفًا، أي ما يعادل نحو 10% من سكان القطاع، إلى جانب آلاف الوفيات الناتجة عن نقص الغذاء والعلاج، وقدرتها الوزارة بـ 271 ضحية جوع بينهم 112 طفلًا.
مجاعة من صنع الإنسان
وأوضح أن الأشهر الأخيرة شهدت تفاقم المجاعة حتى صنفتها هيئة الغذاء والدواء في الدرجة الخامسة، مشيرًا إلى أن نقص المياه النقية وانتشار الأمراض المنقولة من المياه الملوثة يزيد الأزمة سوءًا. كما وصف الأمين العام للأمم المتحدة ومفوض الأونروا ما يجري في غزة بأنه «مجاعة من صنع الإنسان»، مؤكدًا تسجيل 284 وفاة نتيجة الجوع بينها 114 طفلًا.
وأشار وزير الصحة إلى أن المرافق الصحية في محافظات غزة الخمس تعرضت لدمار واسع؛ إذ توقفت تمامًا في شمال القطاع ورفح، فيما يعمل أقل من 10% من المرافق في مدينة غزة وسط تكدس نحو 900 ألف نازح يعانون من نقص الموارد وتهديدات القصف.
وكشف أن الطواقم الطبية في القطاع منهكة، وتعتمد على محاليل الملح الوريدية لتعويض نقص الأدوية، بعد استشهاد أكثر من 1500 من أفرادها.
كما ثمن جهود إدخال المساعدات، لافتًا إلى نجاح وصول الدفعة الثامنة من تبرعات الدم من مدن الضفة الغربية، إضافة إلى تشغيل محطة المياه في مستشفى الشفاء لخدمة مرضى الكلى.
أرقام صادمة
الأرقام الصادمة الصادرة من وزارة الصحة في غزة – 271 ضحية جوع بينهم 112 طفلًا – جاءت لتكذب الرواية الإسرائيلية التي أنكرت مرارًا استخدام الحصار والتجويع كسلاح حرب، وتضع العالم أمام سؤال قانوني ملح: إلى أي مدى تتحمل إسرائيل المسؤولية الجنائية؟
تدخل إنساني رغمًا عن الفيتو
الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي، يرى أن إعلان المجاعة "يفتح الباب أمام أدوات قانونية غير مسبوقة"؛ أبرزها مبدأ المسؤولية عن الحماية الذي يتيح التدخل الإنساني حتى دون تفويض من مجلس الأمن.
ويشير إلى أن سوابق كوسوفو وليبيا تؤكد أن الضرورة الإنسانية قد تُجيز للمجتمع الدولي تجاوز القيود القانونية التقليدية، وصولًا إلى إدخال المساعدات بالقوة.
عقوبات محتملة
من الناحية الإجرائية، يمكن لمجلس الأمن أن يصدر قرارات ملزمة بوقف الحصار وإحالة الملف للمحكمة الجنائية الدولية، مع فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية قاسية على إسرائيل. لكن، بحسب مهران، يبقى "الفيتو الأمريكي" حجر العثرة الأكبر الذي يُفرغ هذه القرارات من مضمونها.
أدوات ضغط خارج المنظومة الأممية
المجتمع الدولي لا يقف عاجزًا كليًا، فهناك أوراق ضغط بديلة:
فرض عقوبات اقتصادية فردية من الدول.
مقاطعة أكاديمية وثقافية ورياضية لإسرائيل.
تجميد الأصول والاستثمارات الإسرائيلية في الخارج.
دفع الشركات متعددة الجنسيات لقطع تعاونها مع المؤسسات الإسرائيلية.
أدلة موثقة على التجويع
الوثائق الأممية التي توثق منع المساعدات، وتدمير المخابز والمزارع، وقطع الكهرباء والمياه، بجانب تصريحات قادة إسرائيليين تعترف صراحة بسياسة "الضغط على غزة"، تمثل – كما يؤكد الخبير القانوني – أدلة كافية لإثبات النية الإجرامية في استخدام التجويع كسلاح حرب.
من جريمة حرب إلى إبادة جماعية
إسرائيل تواجه احتمالات محاكمة دولية بتهم تتراوح بين التجويع القسري كجريمة حرب، وجرائم ضد الإنسانية نتيجة الاستهداف الممنهج للمدنيين، وقد تمتد التهم إلى الإبادة الجماعية إذا ثبت قصد تدمير الشعب الفلسطيني.
غزة.. مسرح جريمة
بهذا الإعلان الأممي، لم تعد غزة مجرد ساحة صراع مسلح، بل تحولت – وفق توصيف القانون الدولي – إلى مسرح جريمة دولية.
ويبقى السؤال: هل يستغل المجتمع الدولي هذه اللحظة لمحاسبة إسرائيل وإنقاذ المدنيين، أم يضيع مجددًا بين صفقات السياسة ومصالح القوى الكبرى؟