شهدت الساحة الإعلامية المصرية مؤخراً نقاشات موسعة بين عدد من المفكرين والخبراء السياسيين حول واقع الإعلام ودوره في تشكيل الوعي والهوية الوطنية، وسبل تطويره لمواكبة التحديات الراهنة.
وخلال لقاءات تلفزيونية مع الإعلامي نشأت الديهي في برنامج "المشهد" على قناة "TeN"، تناول كل من الدكتور عبد المنعم سعيد، والدكتور محمد كمال، والدكتور جمال عبد الجواد، رؤاهم بشأن مواطن القوة والقصور في المنظومة الإعلامية، مؤكدين على ضرورة صياغة رؤية استراتيجية متكاملة، وتعزيز التنسيق بين الوسائل الإعلامية، وربط الرسائل الإعلامية بالمشروع الوطني الشامل، مع التركيز على البعد المحلي ودعم التواصل بين الدولة والمواطن.
عبد المنعم سعيد: ضرورة وجود عقل استراتيجي وتكامل بين الوسائل
أوضح الدكتور عبد المنعم سعيد أن الإعلام المصري يمتلك بنية تحتية وإمكانيات ضخمة، تشمل مدينة الإنتاج الإعلامي والصحف القومية وقصور الثقافة، لكنه يفتقر إلى ما أسماه "العقل الاستراتيجي" الذي يميز الإعلام المعارض من حيث التناغم بين المنصات المختلفة وتوحيد الرسائل. وانتقد حالة التشتت في الخطاب المحلي مقارنة بوحدة الرسالة التي تتمتع بها قنوات المعارضة، داعياً المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للقيام بدور أشبه بـ"هيئة أركان حرب" تضع خططاً استراتيجية وتنسق الجهود. كما اقترح إنشاء مركز لدراسة مصر المعاصرة منذ 2013 حتى 2030، مع عقد ورش عمل تضم الصحفيين والمفكرين، مشدداً على أهمية المراجعة الدورية للمحتوى وضبط التوازن المالي للمؤسسات الإعلامية، والاهتمام بالثقافة العلمية والاقتصادية والمجتمعية من خلال عرض تجارب تنموية عالمية وتوثيق مسار التطور في مصر.
محمد كمال: الإعلام بحاجة إلى رؤية سياسية واضحة وتمييز بين المحلي والقومي
اعتبر الدكتور محمد كمال أن المشهد الإعلامي تحول إلى سوق مفتوح متعدد المنتجات، حيث تتركز المنافسة على جذب انتباه الجمهور أكثر من جودة المحتوى، مشيراً إلى وجود فائض في الإعلاميين لكن ندرة في "المرسل" المؤهل القادر على إيصال الرسالة بفاعلية. وانتقد اقتصار دور المتحدث الرسمي على قراءة البيانات دون تفاعل حقيقي مع الجمهور، خصوصاً في الأوقات الحساسة كالانتخابات، مشدداً على ضرورة صياغة "سردية عامة" تعبر عن المشروع الوطني بلغة مفهومة للمواطن. ودعا إلى الاهتمام بالإعلام المحلي باعتباره الأكثر مشاهدة عالمياً، لما له من دور في معالجة القضايا الداخلية ومنع تضخيمها، مؤكداً أن قدر أكبر من اللامركزية في العمل الإعلامي سيتيح سرعة الاستجابة للأحداث على مختلف المستويات.
جمال عبد الجواد: الإعلام ركيزة لتشكيل الهوية الوطنية وتعويض غياب الأحزاب
أكد الدكتور جمال عبد الجواد أن قضية الإعلام في مصر ليست شأناً فنياً يتعلق بقناة أو صحيفة، بل مسألة سياسية واجتماعية ذات تأثير مباشر على الهوية الوطنية. وأوضح أن الإعلام لعب دوراً محورياً في نشر قيم الدستور والحداثة منذ القرن التاسع عشر، وتشكيل وعي الأمة، بحيث يصبح غيابه مرادفاً لغياب الهوية. وأشار إلى أن مصر بعد عام 1952 شهدت تراجعاً في دور الأحزاب الجماهيرية، ليتحول الإعلام إلى المنصة الرئيسية للتفاعل السياسي. واعتبر أن رسائل الرئيس السيسي الأخيرة كانت دعوة واضحة للحكومة لشرح المعلومات والسياسات للجمهور، بما يعزز الثقة بين الدولة والمواطن ويقوي الصلة بينهما، مؤكداً أن تطوير الإعلام ضرورة استراتيجية للحفاظ على القيم والهوية الوطنية.