في مثل هذا اليوم، 21 يوليو من عام 1960، انطلقت أولى موجات البث التلفزيوني من قلب القاهرة، لتدوي عبر الأثير عبارة المذيع الشهير: "هنا القاهرة.. التلفزيون المصري"، إيذانا بميلاد عصر جديد في الإعلام العربي، ورسالة حضارية انطلقت من مبنى ماسبيرو، راسمة ملامح مشروع وطني تجاوز حدود الصورة والصوت ليُصبح شريكًا في تشكيل وعي أجيال متلاحقة.
أول صورة بالأبيض والأسود
في تمام السابعة مساءً، ظهرت أول صورة بالأبيض والأسود من قلب مبنى ماسبيرو، الواقع على ضفاف النيل، وسُمي تيمناً بعالم الآثار الفرنسي "جاستون ماسبيرو" تقديراً لإسهاماته في توثيق الحضارة المصرية. افتتح البث بتلاوة عطرة للقرآن الكريم بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي، ثم كلمة المذيع صلاح زكي، ليتوالى عرض حفل افتتاح مجلس الأمة وخطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومشاهد من احتفالات الثورة والنشيد الوطني.
جاء تأسيس التلفزيون المصري امتدادًا لرؤية القيادة السياسية آنذاك لتحديث أدوات الخطاب الجماهيري، حيث بدأت الفكرة عام 1954 بمبادرة من الصاغ صلاح سالم، وتحوّلت إلى واقع ملموس في عام 1959 مع انطلاق الأعمال الإنشائية، لتبدأ رحلة البث الرسمي في 21 يوليو 1960 من مبنى أقيم على مساحة 12 ألف متر مربع.
ورغم بدائية الإمكانيات حينها، فإن الغرفة التي احتضنت أول بث تلفزيوني، والتي جُهزت بعناية فائقة، كانت بمثابة محراب إعلامي متكامل، ضم أول طاولة تحكم خشبية وكاميرا ضخمة بعدسة واحدة، وميكروفونًا يحمل شعار التلفزيون الرسمي. جلس خلف الكواليس فنيو صوت يرتدون سترات ثقيلة لمقاومة الحرارة المنبعثة من أجهزة البث، في غرفة عازلة للصوت بطبقات من الصوف الزجاجي.
تولى الدكتور ثروت عكاشة، وزير الإرشاد القومي، مسؤولية الإشراف على المشروع، بمشاركة نخبة من الكفاءات التي وضعت اللبنة الأولى لبناء إعلام وطني قوي. ومع مرور السنوات، ارتفعت ساعات البث تدريجيًا، وتوالت انطلاق القنوات الرسمية والإقليمية، وصولًا إلى أول قناة فضائية مصرية عام 1990، وقناة النيل الدولية عام 1993، ثم "النيل تي في" عام 1994 التي بثت بلغات متعددة، تعزيزًا لحوار الثقافات.
عمالقة الإعلام
على مدى العقود، تخرج من شاشة ماسبيرو عمالقة الإعلام، من فوزية العباسي وليلى طاهر، إلى حمدي قنديل وعبداللطيف المناوي، ومن تماضر توفيق أول سيدة ترأس التلفزيون، إلى صفاء حجازي آخر من تولت قيادة اتحاد الإذاعة والتلفزيون قبل التحول إلى الهيئة الوطنية للإعلام عام 2016.
كما ظل التلفزيون المصري شاهدًا على صناعة الدراما الوطنية، بدءًا من مسلسل "هارب من الأيام" عام 1962، إلى أعمال خالدة مثل "رأفت الهجان" و"ليالي الحلمية"، التي شكّلت الذاكرة البصرية للأمة.
وفي كل عام، تحتفل مصر بهذه الذكرى التاريخية عبر برامج وثائقية خاصة، وعروض أرشيفية، وتكريم رواد الإعلام، لتذكير الأجيال الجديدة بأن هناك شاشة وُلدت من رحم الوطن، حملت همومه وتطلعاته، ونقلت صوته للعالم.
واليوم، وبعد 64 عامًا من انطلاق الشرارة الأولى، يبقى التلفزيون المصري شاهدًا على التحولات، صوتًا للناس، ومرآةً تعكس هوية الوطن، ومسيرة لا تنطفئ أضواؤها مهما تغيرت التقنيات وتبدلت المنصات.