في تطور لافت يعيد ملف البرنامج النووي الإيراني إلى واجهة التوتر الدولي، أكدت إيران على لسان كبار مسؤوليها أنها ستواصل تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة، رغم استمرار انعدام الثقة تجاه الإدارة الأمريكية و"الضغوط الغربية غير البناءة"، وفق وصفها.
يأتي هذا الموقف الحازم في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية لإحياء الاتفاق النووي المتعثر، وسط غموض يلف النوايا الأمريكية بشأن تقديم ضمانات دائمة لرفع العقوبات، وهو ما تراه طهران ضرورة قبل أي عودة لطاولة المفاوضات.
موقف رسمي ثابت: لا تنازل تحت الضغط
صرح المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، في مؤتمر صحفي بطهران، أن بلاده "مستمرة في تخصيب اليورانيوم بدرجات عالية"، مشددًا على أن هذا النشاط "قانوني بالكامل" ويتم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأضاف كمالوندي: "تجاربنا السابقة مع الولايات المتحدة جعلتنا ندرك أن الثقة وحدها لا تكفي. ما لم تُقدّم واشنطن ضمانات مكتوبة ودائمة، فإن إيران لن تُقدِم على خطوات أحادية تعرّض أمنها القومي للخطر."
خلفية الأزمة.. انسحاب واتهامات متبادلة
بدأ التوتر حول الملف النووي الإيراني يتصاعد منذ عام 2018، عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الموقّع عام 2015، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران.
وردّت طهران آنذاك بتقليص التزاماتها تدريجياً، بما في ذلك رفع مستويات التخصيب إلى ما فوق 60% من النقاء الانشطاري، وهي نسبة تقترب تقنيًا من العتبة اللازمة لصناعة سلاح نووي، ما أثار قلق الغرب.
الإدارة الأمريكية منفتحة للحوار لكن حذرة
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن واشنطن لا تزال ترى "الحل الدبلوماسي هو الأفضل" لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، لكنها تشعر بـ"قلق عميق" إزاء استمرار إيران في أنشطة تخصيب خارج نطاق الاتفاق.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، في مؤتمر صحفي: "إذا كانت إيران جادة بشأن العودة إلى الاتفاق، فعليها أن تثبت ذلك بأفعال، وليس فقط بالكلمات. لكننا لا نزال ملتزمين بالمسار الدبلوماسي."
الرقابة الدولية غائبة جزئياً.. وتحذيرات أوروبية
وفقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، فإن إيران قلّصت من حجم التعاون الفني والمراقبة، خاصة فيما يتعلق بتركيب كاميرات المراقبة في مواقع التخصيب، وهو ما دفع المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إلى التحذير من أن "الرؤية أصبحت غير مكتملة".
أما الاتحاد الأوروبي، فأعلن عبر مفوضه للشؤون الخارجية جوزيب بوريل أنه "قلق للغاية" من الموقف الإيراني، معتبرًا أن استمرار التخصيب دون رقابة قد ينسف جهود إحياء الاتفاق تمامًا.
تحليل: رسائل إيرانية متعددة الاتجاهات
يرى محللون أن إعلان إيران تمسّكها بالتخصيب في هذا التوقيت يحمل رسائل متعددة:
-
للداخل: تأكيد على السيادة والاستقلال رغم العقوبات.
-
للخارج: مفاوضات بلا ضمانات أمريكية لن تُستأنف.
-
للإقليم: طمأنة الحلفاء الإقليميين كروسيا والصين بشأن وحدة الموقف من الغرب.
كما يُقرأ هذا الإعلان في سياق التوتر المتصاعد في المنطقة، خاصة مع استمرار الحرب في غزة والحديث عن إعادة تشكيل التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط.
إلى أين تتجه الأمور؟
رغم التصريحات التصعيدية، لا تزال بعض القنوات الدبلوماسية الخلفية بين واشنطن وطهران مفتوحة، خاصة عبر وساطة دول مثل سلطنة عمان وقطر. ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية، قد تزداد محاولات الطرفين كسب أوراق تفاوضية قبل أي تحرك فعلي.