في صباح أمس خرجت هدير عبد الباسط خليل قنديل من منزلها في محافظة المنوفية، وهي تحمل نية طيبة وروحًا مسؤولة. رغم أنها لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، قررت أن تحل مكان والدتها في العمل بمزرعة لقطف العنب. طلبت منها أن ترتاح قائلة: "إنتِ ريّحي النهاردة، وأنا هساعد نفسي.. عارفة إن مصاريفي كتير".
هدير، طالبة في معهد التمريض، كانت تعمل بالأجر اليومي مقابل 130 جنيهًا فقط، طامحة في تخفيف العبء عن أسرتها الفقيرة، وتوفير نفقات دراستها. كانت تؤمن بأن التعليم والعمل هما طريقها إلى مستقبل أفضل، وكانت تسير فيهما بخطى واثقة، رغم كل الصعوبات.
نهاية مأساوية على الطريق
لكن الحلم لم يكتمل. في حادث مفجع على الطريق الدائري الإقليمي، لفظت هدير أنفاسها الأخيرة، ضمن 18 فتاة أخرى من نفس العمر تقريبًا، خلال عودتهن من يوم العمل الشاق. كانت الفتيات يستقللن سيارة نصف نقل مخصصة في الأصل لنقل البضائع، لكنها استُخدمت بشكل غير قانوني لنقلهن كركاب، في مشهد يختزل الإهمال وقلة الحيلة.
الصدمة كانت مدوية في محافظة المنوفية، التي ودّعت بناتها في جنازات مؤثرة، خيم عليها الحزن والغضب. فتيات خرجن للرزق، ولم يعدن سوى في أكفانهن، تاركات وراءهن أحلامًا معلقة وقلوبًا مكسورة.
فتيات يحملن البيوت على أكتافهن
لم تكن هدير وحدها من تحمّلت المسؤولية في سن صغيرة. من بين الضحايا، فتيات كن يدخرن لاستكمال دراستهن، أو يعنّ أسرهن على مصاريف الحياة، وأخريات يعملن لتجهيز أنفسهن للزواج. إحدى الفتيات شيّعها خطيبها، يحمل نعشها كما كان يتمنى أن يحمل فستان زفافها.
كل منهن كانت تحمل قصة، وجهًا بريئًا، وحلمًا نقيًا. خرجن من بيوتهن بكرامة ليكسبن لقمة عيش شريفة، فعُدن إلى أهلهن ملفوفات في البياض، ضحايا لمنظومة تشغيل مهترئة، وطرق غير آدمية، ومركبات لا تصلح إلا لنقل الأحمال.
مطالبات بالعدالة والمحاسبة
الحادث أعاد إلى الواجهة ملفًا طال إهماله: ظروف تشغيل الفتيات في القطاع الزراعي، والنقل غير الآمن للعمالة اليومية. تحوّلت دموع الأهالي إلى صرخات تطالب بالعدالة والمحاسبة، وبتحقيق يضع حدًا لهذا النوع من الكوارث المتكررة.
رحلت هدير ورفيقاتها، لكن رسالتهن لا تزال حية: لا يجب أن يكون الفقر مدخلًا للموت، ولا أن يكون العمل شرفًا يُكافأ بالإهمال.