في قلب مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، انفجرت مأساة إنسانية أدمت القلوب وأثارت موجة من الغضب الشعبي، بعدما تحولت مدرسة خاصة، من المفترض أن تكون ملاذا آمنا للأطفال، إلى مسرح لجريمة صادمة كان ضحيتها طفل لم يتجاوز السادسة من عمره.
واقعة الاعتداء على الطفل ياسين داخل مدرسة الكرمة للغات كشفت عن تفاصيل موجعة، امتزجت فيها البراءة بالخوف، وسط اتهامات تطال موظفين داخل المدرسة، وتحقيقات موسعة تسعى لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
سيارة الجراج
تزامنا مع متابعة تحقيقات القضية تداول مؤخرا رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لسيارة متواجدة بجراج مدرسة "الكرمة للغات"، وهي التي تحدث عنها الطفل ياسين أثناء التحقيق، مشيرا إلى أنها كانت شاهدة على واقعة التعدي عليه، مما يفتح باب التساؤلات حول هذه السيارة ويشير إلى صدق الطفل ياسين.
تشير التحقيقات إلى أن المتهم الرئيسي في الواقعة هو مراقب مالي بالمدرسة يدعى (ص. ك)، يبلغ من العمر 80 عامًا، بمساعدة مشرفة فصل كانت تقوم بإحضار الطفل من فصله وتسليمه إلى المتهم داخل دورة المياه. دور المشرفة لم يتوقف عند هذا الحد، بل كانت تتابع الطفل بعد الواقعة بغسل وجهه وتبديل ملابسه لإخفاء آثار الجريمة.
تفاصيل تقشعر لها الأبدان
كشف الطفل ياسين، في روايته للواقعة، عن تعرضه للتهديد بالقتل هو ووالديه في حال كشف ما حدث. قال الطفل:"قال لي لو حكيت لحد، هيدبحني أنا وبابا وماما. المديرة كانت تعرف باللي حصل وجابت الموظف وخلتني أضربه بالعصاية علشان آخد حقي، وقالتلي ما تقولش لحد".
وأضاف ياسين أن المشرفة كانت تصطحبه إلى جراج المدرسة، حيث تنتظره سيارة قديمة مغطاة بالأتربة. هناك، كان المتهم يجبره على خلع ملابسه، ويقوم بالاعتداء عليه جسديًا، مصاحبًا ذلك بالضرب وشد الشعر وكتم فمه لمنعه من الصراخ.
الطب الشرعي
استمعت النيابة العامة لشهادة الطبيب الشرعي، الذي أوضح أنه لم يتم رصد أي إصابات ظاهرية على جسد الطفل أثناء الكشف الطبي.
وأكد الطبيب أن هذه النوعية من الوقائع قد لا تخلف دومًا آثارًا جسدية واضحة، خاصة في حالات الاحتكاك الجنسي الخارجي أو الإيلاج غير العنيف.
وأشار الطبيب إلى أنه لوحظ وجود اتساع بفتحة الشرج، مرجحًا أن يكون هذا الاتساع ناتجا عن إيلاج أو محاولة إيلاج، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذا العرض لا يُعد دليلًا قاطعًا على وقوع الواقعة، لغياب إصابات أو آثار عنف واضحة.
كما أوضح أن الاتساع قد ينتج عن أسباب أخرى، لكنه رجح بناءً على التحقيقات وأقوال الأهل أن السبب الأكثر احتمالًا هو نتيجة تعرض الطفل لإيلاج متكرر.
تعليق مديرة المدرسة
من جهتها، علقت وفاء إدوارد، مديرة مدرسة الكرمة للغات، على الواقعة بقولها: "أهلًا وسهلًا بالاتهامات، والقضاء سيقول كلمته"، مؤكدة أنها خضعت للتحقيق مرتين أمام النيابة العامة وتمت تبرئتها في كل مرة.
لحظة المواجهة
وفي تطور جديد، كشف عصام مهنا، محامي الطفل ياسين، تفاصيل الإجراءات القانونية الجارية، مشيرًا إلى أن والدة الطفل كانت قد تقدمت ببلاغ رسمي للنيابة العامة حول الواقعة.
وأوضح مهنا، خلال مداخلة هاتفية مع برنامج «تحت الشمس» عبر قناة «الشمس»، أن النيابة العامة اعتمدت على تقرير الطب الشرعي، الذي أكد وجود علامات تدل على تعرض الطفل لاعتداء جنسي متكرر.
وأشار إلى أن تحريات المباحث لم تسفر عن أدلة كافية، مما أدى إلى قيد القضية كجناية "هتك عرض طفل"، لكن النيابة رأت حفظها مؤقتًا لعدم كفاية الأدلة منذ شهرين.
وأضاف أن فريق الدفاع تقدم بتظلم إلى النائب العام، الذي قرر إعادة فتح التحقيقات وإلغاء قرار الحفظ، كما أمر بإجراء مواجهة بين الطفل والمتهم.
وخلال المواجهة، تعرف الطفل على المتهم في المحاولتين الأولى والثانية من الوهلة الأولى، فيما اختلف الأمر في المحاولتين الثالثة والرابعة، في ظل تغييرات شكلية تمت كالاستغناء عن نظارات أو ملابس.
وأكد المحامي أنه بعد إجراء المواجهات، صدر قرار جديد من النيابة العامة بحفظ التحقيقات مرة ثانية لعدم كفاية الأدلة. إلا أن فريق الدفاع استند إلى المادة 167 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تتيح للمجني عليه الطعن على قرار الحفظ أمام محكمة الجنايات.
وبالفعل، تم تقديم الطعن، ونظرت محكمة الجنايات الدعوى في مارس الماضي، وأصدرت قرارها بإلغاء قرار الحفظ وأمرت بإحالة المتهم إلى محكمة الجنايات، مع احتفاظ المحكمة بحقها في مباشرة التحقيق بنفسها دون إعادة القضية إلى النيابة العامة.
التعليم تحذر
وفي سياق متصل، أصدرت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني بيانًا رسميًا أكدت فيه أن الواقعة تعود إلى فبراير 2024، وهي الآن قيد التحقيق أمام الجهات القضائية المختصة.
وشددت الوزارة على أهمية تحري الدقة فيما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنها ستتخذ كافة الإجراءات القانونية ضد الجهة المسؤولة عن المدرسة فور صدور حكم نهائي في القضية، حرصًا على حماية الطلاب وتحقيق الانضباط داخل المؤسسات التعليمية.