في زمنٍ تتبدل فيه الأقنعة السياسية أسرع من تغيّر الرياح، تُطل علينا قطر بمشهدٍ يشي بالكثير من التناقض، ويطرح أسئلة ثقيلة لا تجد لها إجابات في بيانات الدبلوماسية المهذبة. فبينما تنقل قناة "الجزيرة" مشاهد الدم والدخان من غزة، وتُدين الاحتلال الإسرائيلي بلغة حادة ومباشرة، تُشارك الطائرات القطرية في مناورات جوية إلى جانب سلاح الجو الإسرائيلي في إطار تمرين "INIOCHOS 2024" المنعقد في اليونان.
هكذا، في الوقت الذي تتدفق فيه دماء الفلسطينيين، كانت المقاتلات القطرية تُحلّق مع نظيراتها الإسرائيلية في سماء المتوسط. المفارقة التي لا يمكن تجاوزها، أن الدولة ذاتها التي تروّج لخطاب "داعم للمقاومة"، لا تجد حرجاً في التعاون العسكري مع الطرف ذاته الذي ترتكب بحقه "المجازر"، حسب وصف إعلامها الرسمي.
الجزيرة تصرخ... والدوحة تصافح
لأكثر من عقدين، نجحت قطر في تقديم نفسها كحاضنة سياسية لحركة حماس، وممول سخي لقطاع غزة، وراعية للإعلام المعادي لإسرائيل من خلال "الجزيرة"، التي باتت منبراً مركزياً في رواية "الحق الفلسطيني". لكنّ ما يجري خلف الكواليس يكشف عن قصة أخرى، أكثر تعقيداً، وأشدّ مرارة:
مشاركة عسكرية مباشرة: لم تكن المناورات الجوية المشتركة حدثاً عابراً، بل خطوة محسوبة. إذ شاركت فيها قوات من الولايات المتحدة، فرنسا، إيطاليا، السعودية، قطر، إلى جانب إسرائيل. والمفارقة أن قطر لم تُصدر بياناً توضيحياً أو حتى تلميحاً عن دوافع المشاركة، رغم الضجة التي أثارتها على وسائل التواصل العربي.
تواصل استخباراتي نشط: منذ سنوات، تسجّل تقارير دورية زيارات سرية لمسؤولين إسرائيليين إلى الدوحة، بعضهم من جهاز "الموساد" وآخرون من "الشاباك"، بحجة "الوساطة" في ملفات مثل التهدئة أو تبادل الأسرى. لقاءات لا تُعلن رسمياً، لكنها تُرصد إعلامياً وتؤكد أن العلاقة تتجاوز الطابع الدبلوماسي إلى التنسيق الأمني.
لقاءات إعلامية مستفزة: رئيس وزراء قطر الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم، أطلّ في مقابلة عبر قناة إسرائيلية في السنوات الأخيرة، في رسالة مفادها أن الخطوط لم تعد حمراء، وأن "التواصل" ليس خطيئة ما دام الهدف منه "خدمة المصالح".
علاقات سرية عمرها عقود
قد تبدو هذه الوقائع صادمة للبعض، لكنها ليست مفاجئة لمن يتتبع مسار العلاقات القطرية-الإسرائيلية:
1. بداية من بوابة الاقتصاد: افتتحت قطر مكتب تمثيل تجاري إسرائيلي في الدوحة عام 1996، ليكون الأول في الخليج. ورغم إغلاقه بعد حرب غزة 2008 تحت ضغط شعبي، بقيت خطوط التواصل قائمة وإن كانت "تحت الطاولة".
2. التنسيق في ملف الغاز: تسعى قطر لتعزيز نفوذها في سوق الغاز العالمي، وهو أمر يتطلب تفاهماً مع إسرائيل التي تسيطر على حقل "ليفياثان" في شرق المتوسط. وهنا لا تبدو الحدود الجغرافية أو السياسية عائقاً أمام الاستراتيجيات الاقتصادية الكبرى.
3. الوساطة كغطاء سياسي: تقدم الدوحة نفسها كوسيط "نزيه" بين المقاومة وإسرائيل. لكنها في الواقع تضمن هدنة لإسرائيل في الوقت المناسب، وتُضفي شرعية على تفاوض غير متكافئ، بلا ضغط حقيقي، بل بنوع من "الترتيب" الذي يصب في مصلحة الاحتلال أكثر من المقاومة.
لماذا لا تعتذر الدوحة؟
إن السؤال عن غياب الاعتذار القطري عن هذه المشاركة العسكرية ليس سؤالاً شكلياً، بل يكشف عن حجم التعقيد في الموقف القطري، والذي تحكمه اعتبارات ثلاثة:
1. الارتباط العضوي بالولايات المتحدة: تستضيف قطر أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة (العديد)، وهي بمثابة ورقة الضغط الدائمة على السياسات القطرية، خاصة في الملفات المتعلقة بإسرائيل.
2. مصالح الغاز العابرة للحدود: ترتبط شركات الغاز القطرية باتفاقيات مع شركاء أوروبيين وأمريكيين لهم مصالح مباشرة مع إسرائيل، ولا مجال للمواقف "المبدئية" إذا ما تعارضت مع صفقات بالمليارات.
3. صورة الوسيط لا المقاتل: تدرك قطر أن بقاءها كطرف مسموع في الصراعات الإقليمية يتطلب أن تكون "وسطاً" مقبولاً من الطرفين، حتى لو كلّفها ذلك التنازل عن مبادئها المُعلنة، أو الصمت حيال تصرفاتها المتناقضة.
بين الخطاب والممارسة
في النهاية، يبدو أن السياسة القطرية باتت تُجيد لعبة "الوجهين":
وجهٌ يُبكي الجماهير من خلال صور غزة على شاشات الجزيرة، ووجهٌ آخر يُصافح الاحتلال في مناورات جوية ويُنسق معه في الملفات الأمنية والاقتصادية.
ليس هناك ما يُجبر دولة ذات سيادة على تفسير كل تحركاتها، لكن حين تمسّ هذه التحركات قضايا قومية وإنسانية كقضية فلسطين، يصبح الصمت تواطؤاً، والتناقض خيانة ناعمة.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع: هل باتت "المقاومة" في عرف بعض الأنظمة العربية مجرّد ستار للتفاوض؟ وهل تحوّل دم الفلسطيني إلى وقود في معادلات الغاز والمصالح؟
الجواب قد لا يأتي من قطر، لكن التاريخ سيكتبه الفلسطينيون، لا من شاركوا في المناورات.