كتب :محمد أبوزيد
في لحظة فارقة، انفجرت على منصة "إكس" عاصفة افتراضية بدت وكأنها مخططة بعناية لاستهداف عمق العلاقة بين الشعبين المصري والسعودي.
موجة تغريدات مفخخة، ومقاطع فيديو مجتزأة من سياقها، وهاشتاغات مشبوهة تتنقل من هجوم على حجاج مصريين إلى مطالبات بطرد المصريين من المملكة، ثم تقفز إلى إساءات ممنهجة للسعودية وشعبها من حسابات أغلبها إما وهمي، أو موثق بطريقة مريبة.
لكن الأدهى من كل ذلك هو التساؤل الذي يفرض نفسه: من يقف خلف هذه الفتنة؟ ولماذا الآن؟
وحدة المستعربين بالموساد ... سلاح الفتنة الخفية
مصادر استخباراتية ودراسات أمنية حذّرت مرارًا من دور "وحدة المستعربين" التابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي، وهي وحدة متخصصة في التسلل إلى المجتمعات العربية عبر شخصيات مزيفة، بل ولهجات محلية مدروسة، لبث الفتن الداخلية أو تأجيج الصراعات البينية.
هذه الوحدة تعمل اليوم ليس فقط في الميادين، بل على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يتم تشغيل آلاف الحسابات التي تتحدث باللهجة المصرية تارة، والسعودية تارة أخرى، لإثارة الحساسيات الثقافية أو الاقتصادية أو الدينية بين الشعوب.
وليس خافيًا أن إسرائيل، منذ نشأتها، سعت دومًا إلى إضعاف العلاقات العربية-العربية، لأن توحيد الصف العربي يُهدد مشروعها التوسعي وأمنها القومي القائم على التفرقة. وكل تقارب مصري سعودي، وكل تنسيق أمني أو اقتصادي بين البلدين، يُفسّر داخل إسرائيل كمصدر خطر استراتيجي يجب ضربه ولو بالحرب الإلكترونية.
تغريدات مشبوهة... والمصريون والسعوديون يردون
وسط سيل التسميم، خرجت أصوات عاقلة تعيد التوازن، وكتب رجل الأعمال المصري المقيم في لندن، أشرف السعد، : "من تتكلم عنهم لا يتعدوا مائة مصري ومائة سعودي... الروابط بين الشعبين أقوى من أن تتأثر بمناوشات على وسائل الإعلام، حتى لو اختلف الحكام، فالشعوب باقية على العهد."
أما الكاتب والمثقف كريم الشاذلي، فقد جاء رده كدفاع صلب عن كرامة العلاقة قائلاً:
"أنا كمصري أفتخر بكل نجاح سعودي، وأشعر أن الأمير محمد بن سلمان يبني وطنًا يرفع من قيمة العرب والمسلمين جميعًا... وأثق أن كل سعودي يحب مصر كما يحب أهله."
المستفيد من الفتنة
من المستفيد من تسميم علاقة مصر والسعودية؟
الإجابة بسيطة وواضحة: كل عدو للمنطقة. كل من يخشى عودة الزعامة العربية. كل من يرتعد من تحالفات قوية بين القاهرة والرياض، وعلى رأس هؤلاء دولة الاحتلال الإسرائيلي
ولا يمكن فصل هذه الحملات عن مشروع الفوضى الناعمة الذي تقوده جهات استخباراتية لا تهدف فقط لضرب الدولة الوطنية، بل لتدمير الرابط الشعبي بين الشعوب العربية. وإذا سقطت العلاقة المصرية السعودية، سقط معها جدار منيع يحمي الأمة كلها من التفكك.
مواقف من الشهامة المتبادلة بين مصر والسعودية
. العدوان الثلاثي 1956: السعودية قطعت النفط عن الغرب دعمًا لمصر.
. نصر أكتوبر 1973: المملكة ساهمت اقتصاديًا وسياسيًا في دعم مصر وأعلنت الحظر النفطي.
. مشاركة الأمير سلمان في الدفاع عن مصر: حمل السلاح في بورسعيد.
. دعم مصر بعد 30 يونيو 2013: المملكة أول من وقف مع الشعب المصري بعد 30 يونيو 2013
الاستثمارات السعودية في مصر: مليارات الدولارات لدعم الاقتصاد المصري في أحلك الظروف.
. الدور المصري في الدفاع عن الخليج: الجيش المصري حمى الخليج أكثر من مرة، أبرزها في "عاصفة الحزم".
احتضان السعودية للعمالة المصرية: أكثر من 2 مليون مصري يعملون بشرف في المملكة.
. تقدير السعوديين للثقافة المصرية: مصر هي السينما والفن والموسيقى التي تربت عليها أجيال الخليج.
. العلاقات الروحية بين الأزهر والحرمين الشريفين: مرجعية إسلامية موحدة تحمي الدين من التسييس.
من يُشعل الفتنة لا يمثل شعبًا، بل يُنفذ مخططًا. ومن ينشر الكراهية بين شعبين شقيقين، لا ينتمي لهذه الأرض، بل يعمل في خدمة أعدائها.
إن ما يربط مصر والسعودية أكبر من السياسة، وأعمق من كل خلاف طارئ. إنها علاقة دم ومصير، وحدة عقيدة وتاريخ مشترك لا يمكن فصله بتغريدة أو فيديو مزيف.