كتب :محمد أبوزيد
أثار مسلسل معاوية الذي تبثه قناة MBC جدلاً واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث احتل "الترند" على منصة إكس بعد إعادة تداول مشهد من مسلسل قديم ظهر فيه عمرو بن العاص وهو يخلع ثيابه أمام علي بن أبي طالب أثناء معركة، تجنبًا لضربة بسيفه. وقد أعادت هذه الواقعة النقاش حول حقيقتها، خاصة أن الشيخ محمد متولي الشعراوي ذكرها في أحد دروسه، مما جعلها تنتشر في الوعي الشعبي. فهل هذه الرواية صحيحة؟ وما موقف المؤرخين منها؟
المعركة التي جمعت علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص
الرواية المثارة تدور حول معركة صفين (37 هـ / 657 م)، وهي واحدة من أكثر المعارك دموية في التاريخ الإسلامي، دارت بين جيش الخليفة علي بن أبي طالب، الذي كان يحكم من الكوفة، وجيش معاوية بن أبي سفيان، والي الشام الذي رفض مبايعته بالخلافة وطالب بالقصاص من قتلة عثمان بن عفان.
كانت المعركة مستمرة لعدة أيام، وأوشك جيش علي على الانتصار حتى رفع جيش معاوية المصاحف على أسنة الرماح، داعين إلى التحكيم، وهو ما أدى لاحقًا إلى اتفاق التحكيم الذي غير مجرى الصراع.
الرواية الشعبية: هل خلع عمرو بن العاص ثيابه؟
تنتشر في المرويات الشعبية قصة مفادها أن عمرو بن العاص كان في مواجهة مباشرة مع علي بن أبي طالب في معركة صفين، وعندما كاد الإمام علي أن يضربه بسيفه، قام عمرو بخلع ثيابه ليكشف عن عورته، مما دفع عليًا إلى التوقف عن قتله احترامًا للعفة.
هذه الرواية تتكرر في بعض المصادر التاريخية المتأخرة، كما أن الشيخ الشعراوي ذكرها في أحد دروسه، مستشهدًا بها على ذكاء ودهاء عمرو بن العاص، إلا أن ذكرها في التراث الشعبي والديني لا يعني بالضرورة أنها صحيحة تاريخيًا.
التحقيق التاريخي: هل القصة حقيقية؟
عند العودة إلى المصادر التاريخية الموثوقة، نجد أن الرواية مشكوك في صحتها، حيث لم يرد ذكرها في أقدم المصادر التي تناولت معركة صفين مثل:
الطبري في تاريخ الرسل والملوك
ابن الأثير في الكامل في التاريخ
ابن كثير في البداية والنهاية
لكنها ذكرت في بعض المصادر المتأخرة مثل كتاب وقعة صفين لابن مزاحم (توفي 212 هـ)، وهو مصدر شيعي يميل إلى تضخيم الروايات ضد خصوم علي بن أبي طالب، مما يجعله غير محايد تمامًا في هذا السياق.
كما أن علماء الحديث لم يعتبروا هذه القصة صحيحة، حيث لا يوجد لها سند متصل قوي، وهي تندرج تحت "الإسرائيليات" أو الروايات الضعيفة التي انتشرت لاحقًا لتشويه صورة بعض الشخصيات التاريخية.
موقف العلماء من الرواية
المؤرخون الكبار مثل ابن خلدون لم يذكروا هذه القصة، بل أكدوا أن عمرو بن العاص كان شخصية ذكية وماكرة في السياسة، لكنه لم يكن جبانًا في القتال إلى حد اتخاذ هذا الموقف. كما أن الإمام علي بن أبي طالب كان معروفًا بعدالته وقوته في المعارك، ولم يثبت أنه واجه عمرو في مبارزة مباشرة أصلاً.
أما من الناحية الفقهية، فإن الفقهاء يشككون في هذه الرواية، حيث أن الصحابة معروفون بخلقهم العالي، ولم يكن من السهل أن يلجأ أحدهم إلى كشف عورته بهذه الطريقة، فذلك يتناقض مع المروءة المعروفة عن العرب في ذلك الزمن.
بين الدراما والتاريخ
يتضح أن القصة التي يروج لها البعض حول خلع عمرو بن العاص ثيابه أمام علي بن أبي طالب لتجنب قتله في معركة صفين لا تستند إلى مصادر تاريخية قوية، وإنما ظهرت في بعض الروايات المتأخرة وتم تبنيها لاحقًا في الخطاب الشعبي والدرامي.
ورغم أنها قد تكون مشهدًا دراميًا مثيرًا، إلا أن الحقيقة التاريخية مختلفة تمامًا. فالتاريخ يجب أن يُقرأ من مصادره الموثوقة، وليس من القصص التي تنتشر عبر المسلسلات والكتب غير الموثقة.