advertisment

رئيس مجلس الإدارة و التحرير
نجلاء كمال

سحر الحسيني تكتب ،"معاوية".. جدل الدراما حين يروي التاريخ وجهه الآخر

المصير

الأحد, 2 مارس, 2025

11:06 ص

بين الفن والدين: هل الدراما تروي التاريخ أم تعيد كتابته؟

لا يزال مسلسل "معاوية بن أبي سفيان" واحدًا من أكثر الأعمال الدرامية إثارة للجدل قبل عرضه، إذ وجد نفسه في قلب معركة ثقافية ودينية وإعلامية، ما بين تحريم ديني واضح، وتحفظ سياسي، وإصرار فني على تقديمه للجمهور.

تدور أحداث المسلسل حول الفترة التي تلت استشهاد الخليفة عثمان بن عفان، والتي شهدت الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وهو الصراع الذي انتهى بقيام الدولة الأموية. ومن هنا، يُطرح التساؤل: هل يمكن للدراما أن تقدم هذه الفترة الحساسة بموضوعية، أم أن أي عمل فني عن الفتنة الكبرى سيكون بالضرورة منحازًا لرؤية تاريخية معينة؟

الأزهر: رفض قاطع وتجريم للمسلسل

منذ الإعلان عن المسلسل، أصدر الأزهر الشريف تحذيرًا شديد اللهجة، مؤكدًا أن تجسيد الصحابة في الأعمال الفنية أمر محرم شرعًا. وبرر الأزهر موقفه بأن تمثيل هذه الشخصيات قد يخلق في أذهان المشاهدين صورة غير دقيقة عنهم، مما يؤدي إلى تشويه صورتهم الحقيقية.

وأكد الدكتور محمد علي، الداعية الإسلامي في الأزهر، أن ظهور ممثل في دور علي بن أبي طالب ثم في دور آخر غير لائق لاحقًا يعد إساءة ضمنية للصورة الذهنية عن الصحابة. هذا الموقف يعكس رؤية دينية ترى أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل وسيلة يمكن أن تؤثر في العقيدة والوجدان.

طارق الشناوي: "الهجوم صنع دعاية مجانية للمسلسل"

على الجانب الآخر، يرى الناقد طارق الشناوي أن التحريم والاعتراضات الدينية قد تكون أحد أهم أسباب نجاح المسلسل جماهيريًا. فكلما زاد الهجوم على عمل فني، زاد فضول الجمهور لمتابعته، وهو ما حدث في أعمال سابقة أثارت جدلًا واسعًا قبل عرضها، لكنها حققت نسب مشاهدة غير مسبوقة.

وأشار الشناوي إلى أن المسلسل أصبح "التريند الأول إعلاميًا" حتى قبل عرضه، ما يعني أن الضجة حوله قد تكون أكبر دعاية مجانية له. لكن يبقى السؤال: هل سينجح المسلسل فنيًا، أم أن نجاحه سيقتصر على الجدل الإعلامي؟

بين الإبداع الفني والتحيز التاريخي

إن تقديم فترة الفتنة الكبرى في عمل درامي ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو إعادة سرد للتاريخ وفق رؤية معينة. ومن هنا، تنشأ مخاوف عدة:

1. هل سيقدم المسلسل معاوية كبطل سياسي فقط، أم سيتم تسليط الضوء على أبعاد الصراع الديني أيضًا؟


2. كيف سيتم تصوير علي بن أبي طالب؟ هل سيتم إبراز خلافه مع معاوية كصراع سياسي أم سيتم تحميله أبعادًا أيديولوجية؟


3. كيف سيتم تناول واقعة صفين والتحكيم؟ وهل سيكون هناك انحياز لطرف دون الآخر؟

 

أي انحياز في السرد قد يؤدي إلى إعادة تشكيل وعي المشاهدين بطريقة تتوافق مع رؤية صناع العمل، وهو ما يجعله أكثر من مجرد دراما تاريخية، بل وسيلة لإعادة كتابة الرواية التاريخية نفسها.

الإنتاج والتحديات: تغيير المخرج وتأجيلات متكررة

لم يكن المسلسل بعيدًا عن التغييرات الإنتاجية، إذ بدأ تصويره تحت إدارة المخرج طارق العريان، لكنه انسحب ليحل محله المخرج أحمد مدحت. هذا التغيير قد يكون مؤشرًا على خلافات في الرؤية الإخراجية، أو ضغوطًا خارجية دفعت إلى تعديل بعض جوانب العمل.

أما على المستوى البصري، فقد تم تصوير المسلسل في تونس، حيث تم بناء ديكورات ضخمة، مع استخدام أزياء تاريخية دقيقة، إلى جانب تدريبات مكثفة للممثلين على القتال وركوب الخيل، مما يعكس طموح صناع العمل لتقديم تجربة بصرية قوية.

العراق يرفض عرض المسلسل: بين السياسة والتاريخ

لم يقتصر الجدل على المستوى الديني فقط، بل امتد إلى القرارات الرسمية، حيث قررت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية منع عرض المسلسل داخل العراق، معتبرة أنه قد يثير الفتنة الطائفية. هذا القرار يعكس قلقًا من أن يؤدي العمل إلى إعادة إشعال النقاشات العقائدية والسياسية التي لا تزال تلقي بظلالها على المجتمعات الإسلامية حتى اليوم.

ختامًا: دراما أم اختبار للذاكرة الجماعية؟

يبقى مسلسل "معاوية" أكثر من مجرد عمل فني، فهو اختبار حقيقي لقدرة الدراما على تناول التاريخ دون الوقوع في فخ الانحياز. فهل سينجح في تقديم رؤية متوازنة تعكس تعقيدات تلك الفترة؟ أم أنه سيجد نفسه محاصرًا باتهامات التوظيف السياسي وإعادة كتابة الرواية التاريخية؟

حتى يتم عرض المسلسل، سيظل في منطقة الجدل، بين تحريم ديني، وإصرار فني، وجدال فكري لا ينتهي.