حرَّم الله على نفسه الظلم وجعله بين عباده مُحرمًا، وأمرهم بألا يظلم بعضُهم بعضًا. آيات قرآنية وأحاديث نبوية متفق على صحتها تُجمع على هذا المعنى. وكما إن الله نهى عن الظلم، فإنه نهى أيضًا عن الغلو والكبر والغرور واستغلال النفوذ. أناس كثيرون تغرُّهم الدنيا وتغويهم عندما يتوسدون المناصب، فينسوَن ما أُمروا به وذُكروا، ويقعون أسرى للحظة الراهنة، وتأخذهم العزة بالإثم، ولا يفيقون إلا عندما تُنتزع منهم أسباب الصولجان والهيلمان. ولا شك في أن من يكون هذا منهاجه وتلك شريعته يغدو إنسانًا منقوصًا من العقل والدين والضمير.
ولعل ذلك المسؤول المعزول نموذج عملي على ذلك. كاد المعزول –عندما كان في منصبه- أن يكون نمرودًا. استوطن الشر فؤاده، وسيطر الغرور على سلوكه، وارتدى عباءة من التيه، واعتمر عمامة من العنجهية. كانت حالة مستعصية بائسة مستهجنة من القاصي والداني.
لا يعرف التاريخ المعاصر مسؤؤلاً بهذه الهيئة. كان يتوهَّم أنه سوف يُعمِّر في منصبه. كان يبذل في سبيل ذلك كل شيء. كان يأمر مستخدميه بامتداحه فيأتمرون صاغرين أذلاء؛ حتى لا يفقدوا وظائفهم، ولا يتم نفيهم في البراري. صمَّ أذنيه عن كل عظة ونصيحة. كان يمشي في الأرض مرحًا، حتى ظن أنه قد يخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً.
ولأنَّ دوام الحال مُحال، سُنة الله في أرضه، ولن تجد لها تبديلاً أو تحويلاً، طُرد الرجل من منصبه شر طردة، وعُزل على حين غفلة، حتى اقترنت صفة "المعزول" باسمه، فصار يُعرف بها دون غيره ممن تم استخدامهم حينًا من الدهر. استفاق المعزول على الحقيقة التي كان يجهلها أو يتجاهلها ويتعامى عنها. انفضَّ الناس من حوله. توقف هاتفه عن الرنين. ولم يعد الواتساب أو الماسنجر يستقبل رسائل أو استغاثات أو أي شيء، سوى دعاء متكرر من ضحاياه في كل محافظة ومديرية بالانتقام منه! أما حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي فصارت صحراوية، ما دفعه إلى اللجوء إلى تمويلها وشراء تفاعلات وهمية. لم يكتفِ المعزول بذلك، بل سعى إلى كسر صمت هواتفه بالتواصل مع الصحفيين والإعلاميين بنفسه التي كانت تدفعه دفعًا إلى عدم الرد عليهم من قبل؛ أملاً في أن يستعيد بعضًا من الضوء المفقود. وقبيل شهر رمضان..يبعث المعزول ببرقيات التهنئة العشوائية إلى من يعرف ومن لا يعرف. يكاد المعزول أن يقول: "خذوني معكم"!