في مصر أدعياء كثيرون، ينتحلون صفاتٍ ليست صفاتهم، ويُنزلون أنفسَهم منازلَ هم دونَها. بضاعتُهم الكذب، يتحدثون كذبًا، ويتنفسون كذبًا. ينحتون من ذواتهم المتورمة أصنامًا من العجوة، ثم يخرُّون لها ساجدين!
ومن عجبٍ.. أن هؤلاء يَصلون سريعًا، ويتصدرون المشهد. السير في الاتجاه العكسي في مصر يؤمِّن لك إدراك هدفك في لمح البصر. أمَّا الذين يلتزمون بالقواعد والضوابط والمعايير، فإنهم قد تفيض أرواحهم إلى السماء، وهم وقوفٌ في أمكانهم دون أن يبرحوها. سوف أضرب لك مثالين متضادين تمامًا، ولكنهما يتفقان مسلكًا، ويتوافقان ملمحًا.
أمَّا الصنف الأول، فهو ذلك التيار الشاذ الشارد الذي ينسب نفسه قسرًا إلى العقلانية والتحرر وبقية المفردات ذات الصلة. أية قراءة تحليلية دقيقة وموضوعية لمُخرجات هذا الفصيل سوف تقودك إلى نتيجة حاسمة مفادُها: أن أصحابه أبعد ما يكونون عما يدَّعونه لأنفسهم. هم مثلاً يقولون إنهم يُعملون العقل ويرفضون النقل، ورغم ذلك فإن معظم إنتاجهم مسروق ومنقول ومنحول. بعضهم ينقل مقالات كاملة من مفكرين غربيين، وبعضهم يسرق فصولاً كاملة من كتب مستشرقين. لا فضل لهم في شيء. أطروحاتهم الشخصية –إن وُجدت- فهي مُختلة عفنة؛ لا هدف لها سوى إثارة الجدل والصخب والفتنة والسباحة ضد التيار. والغريب أن هؤلاء السَّفلة لا ينتزعون من أفكار الآخرين إلا ما يخدم أفكارهم الشيطانية وأجنداتهم الخبيثة.
في واحدة من المواقف الدالة والكاشفة أن باحثة عربية واجهت أحد كبرائهم في فعالية ثقافية كبيرة خارج مصر، وسألته أمام الحضور بصوت مسموع: يا دكتور ".." متى ترد الممتلكات الفكرية التي سطوت عليها لأصحابها؟ فبُهت الذي سرق ولم يعقب..وقِس على ذلك مواقف عديدة لا حصر لها. هم يدَّعون إعمال العقل، ولكن واقع الأمر أنهم يستخدمون عقولهم بدائل للنعال الرخيصة والأحذية الشعبية، ويزعمون لأنفسهم مناقب لا صلة لهم بها!
أمَّا الصنف الثاني، فهو من يروج منتسبوه في حِلهم وترحالهم أنهم "أهل القرآن". وواقع الأمر أن أصحاب الفضائل لا يدَّعون لأنفسهم فضلاً ولا مكرمة، ولكن الآخرين ينسبونه إليهم الفضل والمكارم إن وجدوهم أهلاً لذلك. لا تزكوا أنفسكم؛ هو أعلم بمَن أتقى. أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى القرآن، ويتباهَون بذلك أيَّما تباهٍ، أبعد ما يكونون عن أخلاق القرآن التي تحضُّ على التواضع واللين والرحمة وحسن المعشر وعدم الخيانة والصدق وتقوى الله في السر والعلن. أهل القرآن الحقيقيون لا يصح أن يكونوا منافقين مخادعين ملاوعين يخشون المخلوق..ولا يقيمون للخالق اعتبارًا. أهل القرآن الحقيقيون ليسوا نمَّامين ولا فاحشين ولا طعانين ولا لعانين ولا بذيئين، ولا يتبعون هوى مريضًا، ولا يتعاملون مع السحرة والدجالين.
ليس هذا الصنفان وحدهما هما الأدعياء بيننا فحسب، بل إن هناك أدعياء كثيرين يزاحموننا في كل مكان، ولكن ضربنا بهما الأمثال، فلا يغرنك هذا أو ذاك، ولا يخدعنك هذا أو ذلك، وكن حكيمًا.